ولكن هذه السعادة - وإنها لخليقة أن تملأ نفسه الكريمة
وتفيض - كان يشوبها حزن غير رفيق ، وينغصها هم غير
موادع ، يؤرقانه ليلا إذا أظله الليل ، ولا يريحانه نهارا إذا امتد
عليه ضوء الشمس ، وإذا دعته مهامه على هذا الضوء إلى
تصريف الأمور ، وتشريع الأحكام ، وسياسة الدولة ، وتوسيع
ظلها ، إنه ينشط أتم ما يكون النشاط لهذا كله ، فهو ساهر
عليه ، قوي فيه ، ولكنه لا ينسى همه الذي ينغص عليه
سعادته ، ولا حزنه الذي يشوبها ، وإنها لسعادة خليق بها أن
تملأ نفسه وتصفو له مما يشوب ومما ينغص .
الدين تم طقوسا وأحكاما وقوانين وتقاليد ، وتم إقناعا ونفوذا
وقدسية وانتشارا ، ولم يبق منه إلا امتداده بعد النبي بخليفة
يحافظ على ما تم منه ، وينميه كما تم باجتهاد مستوحى من
روحه ونصوصه ، فيجاوزه بأمانة إلى أمكنة بعيدة ، وينقله إلى
أزمان جديدة ، فهو دين أبد ، تنزل آخر صيغة من صيغ
الرسالات بشريعة سمحاء تكفل للإنسان - ما عاش الإنسان -
أمنه وحريته وكرامته وسعادته ونموه ، فلا يخشى عليه من نقص
في ذات نظمه وقوانينه وتعاليمه وأخلاقه ، وتفاسيره لله والحياة
والإنسان ، ولكن أخشى ما يخشى عليه من الخلفاء باسمه ،
والطامعين به إلى العروش والتيجان والمغانم فإذا تركه دون أن
ينصب عليه خليفة من معدنه ، قويا أمينا عليه خشي أن يرتد
نصره الغالي فتنة وتطاحنا وأثرة يكون فيها روح الإسلام نفسه
صريعا قبل كل صريع .
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 99
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص٩٩