مرة أخرى ، وقليلًا أيضاً ، عند قوله تعالى المارّ الذكر : ( وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ) ونقول : إنّ الباري سبحانه آل على نفسه ألا يهلك أمةً أهلها مصلحون ، ولكنه قد يهلكها إذا توقفت عند حدود الصلاح ، ولم تتقدّم نحو الإصلاح . . . بمعنى إنها آثرت الدعة والراحة والاسترخاء ولم تتحمّل مسؤوليتها في هذه الانتقالة التي يريدها الشارع المقدس لنقل النموذج المسلم من مرحلة الصلاح إلى مرحلة الإصلاح ، وتحمّل مسؤولية التغيير وعدم الاكتفاء بالصلاح وحده تعكُّزاً على الآية الكريمة طبعاُ ( عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) « 1 » . التي لها تأويلاتها وتفسيراتها وفضاءاتها وآثارها التي قد تنتهي إلى ما انتهينا إليه في مسألة الهلاك والإهلاك ، وما شرحناه مفّصلًا وبالمصاديق والأرقام والوثائق في كتابنا المذكور .
أقول : ان السيد الشهيد لم يكتف بأن يكون صالحاً ، أو ولياً من أولياء الله وحسب كما يستريح البعض « 2 » ، وإنما رأى أن يكون مصلحاً وثائراً ومتصدياً ومبادراً ، فتعجّل الجنّة وترك الأمة لمصير آخر عرفناه بعد حين ، فيما آثر الصالحون منهجاً آخر عرفنا ماذا جرى علينا وعليهم وبعد قليل من
هامش
( 1 ) سورة المائدة : 105 .
( 2 ) أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ سورة التوبة : 19 .