الابتدائيّة مثلًا ، يجد نفسه ميّالًا قهراً إلى ازدياد التعلّم وإلى الاستمرار فيه ؛ وذلك : لأنه ينكشف لديه شيئاً فشيئاً وجود ما يسمّى بالعلم وما يسمّى بالحقيقة ، وما يسمّى بالتفكير العلمي الدقيق والنظر العميق ، فيكون توّاقاً إلى معرفته ومشتاقاً إلى الوصول إليه مندفعاً في ذلك عن حبّ ذاته « 1 » .
هامش
( 1 ) لا يخفى أنَّ هذه الحالة في النفس عندما تنبثق في أوّل تفتّح براعم الشباب ، تنبثق بشكلٍ حارّ متدفّق حماسي ، يودّ الشاب معه ابتلاع العلوم والفنون جميعاً في وقتٍ واحد ، والوصول إلى الحقيقة عن أقرب طريق . ومن ثمَّ نجده قانعاً بدراسته مكبّاً عليها ملتهماً لها التهاماً .
إلَّا أنَّ هذا الشعور بالذّات ، وقبل أن يتطوّر الشابّ بالدراسة تطوّراً كافياً ، وقبل أن يقتنع أنَّه وصل إلى بعض الحقيقة وأنَّه رأى بعض ظلالها ، ولازال يعتقد أنَّه في الطريق إليها غير مشخّص لها ولا عارف ماهيّتها ، يكون هذا الشعور - وهو الشوق إلى الحقيقة - عندئذٍ في نفسه ، سبباً إلى خلق قابليّة فعّالة لتلقّي أيّ توجيهٍ أو تعليمٍ أو إرشادٍ لا يكلّف المرشد نفسه في ذلك أكثر من توضيح الفكرة لديه ، ثمَّ يتلقّفها الشابّ جذلًا ، ويجد فيها رواء لنفسه العطشى المتلهّفة ، ويجد أنَّها مطابقة للحقيقة إلى أكبر حدٍّ ؛ باعتبار أنَّه لا يعرف أنَّ ثمّة فكرة أعمق منها وأكثر مطابقة للحقيقة منها ، ومن ثَمَّ يعتقدها ويدافع عنها . وهذا الشعور بالذّات ، شعور التوقان إلى الحقيقة النابع من حبّ الذّات بالذّات ، هو الذي تستغلّه الدعوات العقائديّة المختلفة ، أو الحكومات الإيديولوجيّة ، أُنظر آخر مبحث ( التدريس وحبّ الذّات ) في بثّ توجيهاتها وأفكارها في أذهان شبابها المتحمّس لتلقّي العلوم والمعارف ، بدون أن يكون لدى الشابّ أيّ فكرة أُخرى عن الإجابة على هذه الأفكار أو مناقشتها ، ومن ثَمَّ فهي تعرض عليه جليّة واضحة مدعمة بقائمه من البراهين والأساليب الخطابيّة والجدليّة يقبلها ويتبنّاها ويدافع عنها . وأقلّ القليل من الشباب ذلك الشخص السعيد الذي يكون له من عمق الفكرة والوقت المتوفّر لبحث توجيهه المدرسيّ وانتقاده والنظر فيه ، لكي يرى صحيحه من سقيمه ، فيأخذ بالصحيح ويطرح الفاسد . فإنَّ الراحة من التفكير - طبعاً والشابّ قد أشبعت غريزة شوقه إلى الحقيقة بدراسته المدرسيّة - أقرب إلى حبّ الذّات من تجشّم عناء التفكير والتدقيق والبحث ( منه قدس سره ) .