التفكير ، فيترتّب على ذلك اختلاف في سنخ السلوك أيضاً .
ولعلّنا الآن نستطيع أن ندخل إلى النظر في الأفعال الجزئيّة ، التي يقوم بها البشر فندرس بعضها ؛ لأجل أن نجد الأثر القويّ البليغ البعيد لحبّ الذّات في سائر الأعمال الاجتماعيّة .
التعلم والتعليم وحب الذّات
فمثلًا لماذا يتعلّم الإنسان ، ولماذا يبذل الكثير من الناس أعمارهم في سبيل ذلك ؟ ليس ذلك إلَّا من حبّ الذّات نفسه ، فإنَّ الوصول إلى الحقيقة والاطّلاع عليها أمرٌ واضح أنَّه أحسن من الجهل ومن البعد عن الحقيقة ، ولذلك فالإنسان توّاق بطبيعته وبمقتضى حبّ ذاته للوصول إلى الحقيقة .
والوصول إلى الحقيقة عادةً لا يكون بوحي ولا إلهام ، ولا بتفكير لحظة من الزمن ، وإنَّما يكون بعد تعبٍ شديدٍ ونصبٍ طويلٍ وعمرٍ يقضى بالبحث والتنقيب ، ومن ثَمَّ كان هدف الوصول إلى الحقيقة مهمّاً إلى حدٍّ يهون معه هذا التعب ويكون الإنسان مستعدّاً لتجشّمه وقضاء السنوات الطوال فيه ، في سبيل الوصول إلى ذلك الهدف العظيم .
فيقضي الفرد أوّل عمره تلميذاً يتلقّى الدروس ويتدرّج فيها من الهيّن إلى الأصعب شيئاً فشيئاً ، والطفل وإن لم يجد في نفسه ذلك الميل إلى الوصول إلى الحقيقة ؛ لأنَّه لا يعرف أن ثمّة حقيقة موجودة أو غير موجودة ولا يلتفت إلى ذلك التفاتاً شعوريّاً ، إلَّا أنَّ أهله الذين يحبّونه بحبّ ذاتهم يودّون وصوله إلى ذلك ويودّون رقيّه إلى المستوى العامّ الذي رقى إليه المثقّفون