العارفون بشيءٍ من الحقيقة على كلّ حال « 1 » .
ومن ثَمَّ فهم يجبرونه على الدراسة ، وهم يضعونه في المدرسة ، وهم يتعهّدونه بالمال والتعليم ، وهو يقبل منهم ذلك ، لا لأجل الوصول إلى الحقيقة ، بل لأنَّه يحبهم ويودّ إطاعة أمرهم ، ولأنَّه يخاف من عقابهم ، أو بعبارة ثانية : أنَّه يحصل تزاحم في نظر الطفل بين الألم الناتج إليه من الدراسة والألم الناتج لديه من عصيان أبويه ، وبالطبع يكون الأوّل في نظره أخفّ لدى إصرار والديه على إدخاله المدرسة ، فيختار الثاني لا محالة .
ولا يخفى في المقام أنَّ اختيار الأفضل والأسهل ، أمرٌ نابع من حبّ الذّات ، وهو أمرٌ تكوينيّ لا شعوريّ ، لا فرق فيه بين الرجل الرشيد المفكّر ، وبين الطفل والمجنون ، بل يشمل الحيوانات أيضاً .
إلَّا أنَّه بعد برهة من الدراسة وبعد سنين قليلة تقضى في المدرسة
هامش
( 1 ) لا يخفى أنَّ هذا إنَّما يرد من الوالدين اللذين لمسا معنى العلم وعرفا وجود حقيقته في الكون بشكلٍ تفصيليّ شعوريّ ، أمّا العمّال والفلّاحون - مثلًا - فيجدون من حبّ ذاتهم في إكرام أطفالهم ، أن يبرزوا ويحذقوا في الصنعة التي يحسنونها ، ويجدون أنَّ ذلك كلّ الخير بالنسبة إليهم ، ومن ثمَّ يجدون في هذا الهدف من الأهمّية بحيث يذيقون أبناءهم كثيراً من المتاعب في سبيل تحقيقه . ولا يخفى أن كلّ أبٍ يودّ بمقتضى إحساسه الأوّلي أن يخرج ابنه على نفس الحرفة التي يمتهنها أو نفس الاختصاص الذي يختصّه متخيّلًا أنَّ اختصاصه من خير الاختصاصات ، فتعليمه لولده أمر جوهريّ لضمان مستقبله . نعم ، قد يرى في بعض الظروف أنَّ مصلحة ولده تقتضي شيئاً آخر ، أو هذا خارج عن الأصل الأوّليّ على كلّ حال ( منه قدس سره ) .