جبينه ، طمعاً في جمع المال وتوفير رفاه العيش ، فهو حريص على ماله محبّ له بحبّ ذاته ، غير مستعدّ لإعطائها مجّاناً ، إلَّا بربحٍ كبير ، فهو لا يساعد فقيراً ولا يعاون محتاجاً ولا يحلّ مشكلة مضطّر ، ولا يساهم في مشروعٍ خيريّ اجتماعيّ أو دينيّ ، ومن ثمَّ يسمّى بالبخيل .
إلَّا أنَّ شخصاً آخر لاحظ مساوئ البخل وعرفها وفهم بوضوح أنَّ الناس ينفرون بطبعهم من البخيل ؛ لأنَّهم يجدون عنده ثروة زائدةً مكنوزة بدون سبب ، فيطمعون في الاستيلاء عليها ، فإذا لم يتجاوب معهم ، بغضوه واحتقروه تجاوباً مع حبّهم لذاتهم ، وعرف صاحبنا أنَّ النّاس يميلون بطبعهم إلى الكريم الذي يكون مستعدّاً للتعاون معهم ، تعاوناً ماليّاً ، وإفادتهم عن هذا الطريق ، ومن ثمَّ استجاب إلى هذه المصالح ، اندفاعاً من حبّ ذاته ، فكان يبرّ الفقير ويطعم الجائع ويأوي المسكين ويقري الضيف ، ويساهم في المشروعات الاجتماعيّة الكبرى ، ومن ثمَّ يسمّى مثل هذا الشخص كريماً « 1 » .
هامش
( 1 ) لا يخفى في المقام أنَّ هذه الصفات العامّة إنَّما تطبع الفرد بطابعها الخاصّ ، فيسمّى كريماً تارةً وبخيلًا أُخرى ، ومتواضعاً ثالثة ومتكبرّاً رابعاً ؛ إذ اصطبغ سلوك الفرد على نحو العموم ، بتصرّفاتٍ توحي بوجود إحساسات في نفسه موافقة لهذا السلوك العامّ ، وإنَّما توجد مثل هذه الإحساسات إذا اقتنع الفرد أنَّ ممّا يوافق حبّ ذاته أن يكيّف نفسه على شكلٍ معيّن من هذه الأشكال ، وأنَّ هذا التكييف ضروري له في سائر تصرّفاته وأعماله ، وموافق لحبّ ذاته ، فمن ثمَّ نجد سائر أعماله تصطبغ بصبغة معيّنة ، كالانبساطيّة أو الانطوائيّة أو البخل أو الكرم مثلًا .
إلَّا أنَّ مثل هذا الفرد الذي يفرض سيطرة صفة معيّنة عليه يعتبر نموذجاً مثالياً لكلّ صفةٍ من هذه الصّفات ، ليس من الضروري اصطباغ سائر البشر بها ، بل إنَّ سائر البشر عادة يتوزّعون في سلّمٍ طويلٍ وبدرجاتٍ متفاوتةٍ وعلى مستوياتٍ وتفسيراتٍ مختلفة بين هذين الحدّين المستقطبين ، بين البخل والكرم وبين الانبساطيّة والانطوائيّة ، وبين الأخلاق والانحلال مثلًا .
وكلّ فردٍ حتماً يطبّق تلك القاعدة العامّة النابعة من حبّ الذات ، وهي اختيار أصلح الفروض لنفسه وأقربها إلى الخير وأبعدها عن الشرّ حسب ما يعتقده ويراه . وحينئذٍ قد يرى الفرد أنَّ الأخلاق في هذا الموقف المعيّن والمقتضي الآنيّ الخارجي ، هي السلوك الأفضل ، فنرى أنَّ سلوكه يكون أخلاقيّاً فاضلًا ، وأُخرى يرى أنَّ القهر والظلم والغلبة هي السلوك الأفضل في ذلك ، فنراه عندئذٍ متّبعاً هذا الطريق ، أو أنَّه مثلًا يرى أنَّ التكبّر في هذا المقام أحسن ، أو التواضع أحسن مثلًا ، فيكيّف نفسه على حسب ما يعتقده ، وهكذا .
ومن ثمَّ يختلف سلوك الأفراد ويتباين تصرّفهم ، وتتعدّد وجهاته بتعدّد حدود فهمهم للحياة وتشخيصهم لمصالحهم الخاصّة والعامّة فيها ( منه قدس سره ) .