نفسه . وإنَّما المهم الآن هو الكلام عن نشوء اللغة على هذه التقادير والمحتملات .
أمّا على المحتمل الأوّل الموافق لظاهر القرآن ، فيتعيّن أن لا يكون الوضع مستنداً إلى الخلق ، وإنَّما هو إيداع من الخالق جلّ جلاله في النفس قوّة وفعلًا . ونقصد من القوّة إيداع القابليّة على التفاهم
باللغة ، ومن الفعليّة حصول التفاهم فعلًا بها بتسديد من الله سبحانه وتعالى .
ولا يتوقّف ذلك على فهم هذا المعنى من قوله تعالى : ( وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ) « 1 » ، ليقال : إنَّه قد لا يكون المراد بالأسماء في الآية : اللغات ؛ بل لأنَّ وجود آدم عليه السلام كمتكلِّم بلغةٍ كان متحقّقاً قبل وجود المجتمع وقبل حصول الذريّة لديه أساساً .
فمن غير المحتمل أن نتصوّر للغة واضعاً بشرياً ، كما أنَّه من غير المحتمل تاريخيّاً كون آدم نفسه هو الواضع ، فيتعيّن بالضرورة أن يكون الله سبحانه هو الواضع .
أمّا أنَّ آدم نطق أيّ لغة ، فهذا غير مهمّ فعلًا ، وإن كان الآن المتعارف منعقداً على أنَّه نطق العربيّة ، ولعلّ ذلك ناشئٌ من عدِّة تقريبات ظنيّة :
أوّلًا : أنَّ النقل تاريخيّاً هو ذلك في الجملة ، حتّى أنَّهم نسبوا إليه أبيات شعريّة باللغة العربيّة في رثاء ولده « 2 » .
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 31 .
( 2 ) أُنظر : عيون أخبار الرضا * 220 : 2 ، باب ما جاء عن الرضا * ، في أوّل مَن قال الشعر .