فإذا أقمنا برهاناً في الفلسفة على أنَّ الأشياء أو الأفكار غير متناهية ، إذن نحتاج إلى كلمات لا متناهية للتعبير عنها ، غير أنَّ اللغة المتعارفة بأيّ لسان كان ، إنَّما هي لأجل حفظ الحاجات المتعارفة لا أكثر .
ثُمَّ هل هناك تفكير بدون لغة ؟ بغضِّ النظر عن فهم الماديّين ، لا شكَّ أنَّه نادر ، إلَّا أنَّه ممكن على أي حالٍ فيما ذكرناه من الحسِّ والذاكرة والحيوان ، وكذلك في الملائكة ، من حيث لم يثبت توقّف إدراكهم على التفكير .
وكذلك الحال في الخلق الصامت ، الذي نسمّيه بالجماد ، والذي
ينسب إليه القرآن الكريم - وهو الصادق الأمين والحجّة الكبرى على كلِّ المسلمين - أشكالًا من النطق كقوله تعالى : ( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) « 1 » ، وقوله تعالى عن الأرض : ( يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ) « 2 » ، وقوله عن السماوات والأرض : ( قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) « 3 » .
إذن فالتفكير باللغة مجرّد عادة ، ولو تصاعد إدراك الإنسان إلى مراتب عالية من المعاني ليس لها وضع لغوي ، ولا يمكن فهمها بالألفاظ ، لأمكن التفكير بها بدون لغة .
ثُمَّ إنَّه هل يوجد نطق باطني في داخل نفس الإنسان قبل النطق
هامش
( 1 ) سورة الإسراء ، الآية : 44 .
( 2 ) سورة الزلزلة ، الآيتان : 4 - 5 .
( 3 ) سورة فصّلت ، الآية : 11 .