أمّا الدلالة الوضعية « 1 » : فإن يُرَد منها أنّها وضعت للبعث المتقيّد بالإرادة الحتمية ، فهو ظاهر البطلان إن أريد التقيّد بهذا المفهوم ؛ ضرورة عدم إمكان تقيّد البعث بالحمل الشائع بمفهوم أصلًا ، وقد عرفت أنّ الهيئة وضعت له .
وإن أريد التقيّد بواقعها فلا يمكن ؛ لأنّ البعث متأخّر عن الإرادة بمراتب ، فلا يعقل تقيّده بها ، والمعلول لا يمكن أن يتقيّد بعلّته ، فضلًا عن علّة علّته ، أو كعلّة علّته في التقدّم ؛ للزوم كون المتأخّر متقدّماً أو بالعكس .
نعم ، يمكن أن يقال : إنّ الإرادة الحتمية لمّا كانت منشأً للبعث بآلية الهيئة ، فللبعث المنشأ منها تحصّل غير تحصّل البعث المنشأ من الإرادة الغير الحتمية بحسب نفس الأمر ، والواضع يمكن أن يتصوّر جامعاً عرضياً انتزاعياً بين أفراد البعث الناشئة من الإرادة الحتمية ، فيضع الهيئة بإزاء مصاديقه ، فتكون هيئة الأمر مستعملة استعمالًا إيجادياً ، ويكون وضعها عامّاً والموضوع له خاصّاً ، وهو إيجاد البعث الخاصّ الناشئ من الإرادة الحتمية من غير تقيّد بها .
وهذا التصوير وإن يدفع الاستحالة ، لكن التبادر والتفاهم العرفي يضادّه ؛ ضرورة أنّ المتفاهم [ به ] من الهيئة ليس إلّاالبعث والإغراء ، كإشارة المشير لإغراء غيره ، وكإغراء الجوارح من الطيور وغيرها ، فكأنّ لفظ الهيئة قائم مقام تلك الإشارة وذلك الإغراء .
وأمّا دعوى الانصراف إلى البعث المنشأ من الإرادة الحتمية « 2 » ، فلا مجال لها ؛
هامش
( 1 ) - معالم الدين : 46 .
( 2 ) - هداية المسترشدين 1 : 605 ؛ نهاية الدراية 1 : 308 .