والثاني : أن يكون المقصود أنّهما الشيطانان الباطلان البعيدان من رحمة اللَّه الخاصّة ، ومن الجنّة المعدّة لأهل السابقة ، إذا اخذا على الانفراد ، وهما المرجوّان للخلاص والنجاة إذا انضمّا واجتمعا ، وقد عرفت أنّ المجموع هو الإيمان الكامل ، وفي كلام السائل أيضاً إشارة خفيّة إلى قوّة هذا الاحتمال ، حيث قال : « وما الشيطانان اللذان كلاهما المرجوّان » ولم يقل : كلّ منهما مرجوّ ، فتدبّر .
ونصّ به الرحمن : أيبما قلنا من أحكام الظهور والبطون واجتماعهما ، حيث عبّر عنهما بالبحرين وعن اجتماعهما بالمجمع في موضع ، وفي آخر بالالتقاء والاختلاط حيث قال - عزّ شأنه - في سورة الرحمن :
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ
« 1 » أي خلّاهما لا يلتبس أحدهما بالآخر ، والمعنى خلط الظهور والبطون ، وبعبارة أخرى : الوحدة والكثرة ، وبعبارة ثالثة : البحر العذب والبحر المالح .
وفي « مناقب » محمّد بن شهرآشوب عن أبي عبداللَّه عليه السلام في قوله تعالى :
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ
. قال : « عليّ وفاطمة بحران عميقان لا يبغي أحدهما على صاحبه » « 2 » الخبر .
وهذا يرجع إلى ما قلنا من الظهور والبطون ، فإنّ الظهور للرجل والستر والبطون للمرأة ، ولذلك ورد أنّ فاطمة عليها السلام هي ليلة القدر « 3 » .
وهاهنا أسرار لا رخصة في ذكرها أكثر ممّا ذكرنا ، وقد أشرنا إلى لمعة منها في شرحنا لكتاب « التوحيد » لصدوق الطائفة رضي اللَّه عنه « 4 » .
هامش
( 1 ) - الرحمن ( 55 ) : 19 .
( 2 ) - مناقب آل أبي طالب 3 : 365 .
( 3 ) - تأويل الآيات الظاهرة ، الأسترآبادي : 791 ؛ البرهان في تفسير القرآن 10 : 354 / 27 ؛ بحار الأنوار 43 : 65 / 58 .
( 4 ) - شرح توحيد الصدوق ، القاضي سعيد القمّي 1 : 638 .