محيطة من جميع الجهات .
ولما كانت الحقائق العقلية بل كلّ حقيقة إمكانية فإنّها محدودة ، أمّا الأجسام فظاهرة ، وأمّا غيرها من الفواعل العوالي فأحد طرفيها بفاعلها والآخر بمعلولها ، فجميع الأشكال العقلية على الاستدارة الحقيقية ، وأمّا اللَّه سبحانه فلا حدّ له أصلًا حتّى يكون شيء ينتهي إلى حدّه أو ينتهي هو إلى حدّ شيء ، بل تنتهي عنده الأشياء وحدودها ؟ وذلك لأنّه « مع كلّ شيء لا بمقارنة ، وغير كلّ شيء لا بمزايلة » « 1 » وليس معه شيء أزلًا وأبداً ، خلافاً لمن يزعم خلاف ذلك ، فهو - عزّ برهانه - كالمركز ، وقد صرّح أرسطو بأنّ المركز في الأشكال العقلية بخلاف المركز في الأشكال الحسّية ؛ لأنّه في الجسمانيات تحيط به الدائرة ، وفي الأشكال العقلية هو محيط بها « 2 » وفهم ذلك عسير جدّاً ، فالمركز هو الأصل ، وبهذا كان في عالم الأجسام خلق الأرض متقدّماً على السماوات .
وفي هذا الحديث الشريف أسرار كثيرة وعلوم عديدة : من بيان حقيقة النفوس الأربع ، ومادّية بعضها ، وتجرّد بعض آخر ، واتّصال المُجرّد منها بالعقل ، ومن حقيقة العقل ، واشتماله على جميع الأشياء ، وأ نّه نهاية النهايات ، وغير ذلك ممّا لا يحصى ولا تنالها أيدي أفاضل الحكماء ، فطوبى لمن غاص في بحارها ، وخاض في أنوارها ، والحمد للَّهعلى منّه وفضله .
هامش
( 1 ) - نهج البلاغة : 40 ، الخطبة الأولى .
( 2 ) - أثولوجيا : 64 .