وأوصاهم ، ثمّ عرضنا عليه المأكول والمشروب ، فأبى أن يشرب ، فنظرنا إلى شفتيه وهما يختلجان بذكر اللَّه تعالى ، وجعل جبينه يرشح عرقاً وهو يمسحه بيده ، قلت : يا أبة ! أراك تمسح جبينك ، فقال : يا بنيّ ! إنِّي سمعتُ جدّك رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يقول : إنّ المؤمن إذا نزل به الموت ودنت وفاته ، عرق جبينه وصار كاللّؤلؤ الرّطب وسكن أنينه ، ثمّ قال : يا أبا عبداللَّه ، ويا عون ، ثمّ نادى أولاده كلّهم بأسمائهم صغيراً وكبيراً ، واحداً بعد واحد ، وجعل يودِّعهم ويقول : اللَّه خليفتي عليكم ، أستودعكم اللَّه ، وهم يبكون ، فقال له الحسن عليه السلام :
يا أبة ! ما دعاك إلى هذا ؟ فقال له : يا بنيّ ! إنّي رأيت جدّك رسول اللَّه صلى الله عليه وآله في منامي قبل هذه الكائنة بليلة ، فشكوت إليه ما أنا فيه من التّذلّل والأذى من هذه الامّة ، فقال لي : ادع عليهم ، فقلت : اللّهمّ أبدلهم بي شرّاً منّي وأبدلني بهم خيراً منهم ، فقال لي : قد استجاب اللَّه دعاك ، سينقلك إلينا بعد ثلاث ، وقد مضت الثّلاث ، يا أبا محمّد ! أوصيك - ويا أبا عبداللَّه - خيراً ، فأنتما منِّي وأنا منكما ، ثمّ التفت إلى أولاده الّذين من غير فاطمة عليها السلام وأوصاهم أن لا يخالفوا أولاد فاطمة - يعني الحسن والحسين عليهما السلام - .
ثمّ قال : أحسن اللَّه لكم العزاء ، ألا وإنّي منصرف عنكم ، وراحل في ليلتي هذه ، ولاحق بحبيبي محمّد صلى الله عليه وآله كما وعدني ، فإذا أنا متّ يا أبا محمّد فغسّلني وكفّنّي وحنّطني ببقيّة حنوط جدّك رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، فإنّه من كافور الجنّة ، جاء به جبرئيل عليه السلام إليه ، ثمّ ضعني على سريري ، ولا يتقدّم أحد منكم مقدّم السّرير ، واحملوا مؤخّره واتّبعوا مقدّمه ، فأيّ موضع وضع المقدّم فضعوا المؤخّر ، فحيث قام سريري فهو موضع قبري ، ثمّ تقدّم يا أبا محمّد وصلّ عليَّ يا بنيّ يا حسن وكبّر عليَّ سبعاً ، واعلم أنّه لا يحلّ ذلك على أحد غيري إلّاعلى رجل يخرج في آخر الزّمان اسمه القائم المهديّ ، من ولد أخيك الحسين ، يقيم اعوجاج الحقّ ، فإذا أنت صلّيت عليَّ يا حسن فنحّ السّرير عن موضعه ، ثمّ اكشف التّراب عنه ، فترى قبراً محفوراً ولحداً مثقوباً وساجة منقوبة ، فأضجعني فيها ، فإذا أردت الخروج من قبري فافتقدني فإنّك لا تجدني ، وإنِّي لاحق بجدِّك رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، واعلم يا بنيّ ما من نبيّ يموت وإن كان مدفوناً بالمشرق ويموت وصيّه بالمغرب إلّاويجمع اللَّه عزّ وجلّ بين روحيهما وجسديهما ، ثمّ يفترقان فيرجع كلّ واحد منهما إلى موضع قبره
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع ) — صفحة 497
مساهمون: مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية
ص٤٩٧