مصاحبة الحسنين عليهما السلام مع أبيهما عليه السلام لأبي ذرّ عند تبعيده إلى الرّبذة
وكتب معاوية إلى عثمان : أنّك قد أفسدت الشّام على نفسك بأبي ذرّ . فكتب إليه أن أحمله على قتب بغير وطاء ، فقدم به إلى المدينة وقد ذهب لحم فخذيه ، فلمّا دخل إليه وعنده جماعة ، قال : بلغني أنّك تقول سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يقول : إذا كملت بنو اميّة ثلاثين رجلًا اتّخذوا بلاد اللَّه دولًا وعباد اللَّه خولًا ودين اللَّه دغلًا ، فقال : نعم ، سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يقول ذلك ، فقال لهم : أسمعتم رسول اللَّه يقول ذلك ؟
فبعث إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، فأتاه ، فقال : يا أبا الحسن ! أسمعت رسول اللَّه يقول ما حكاه أبو ذرّ ، وقصّ عليه الخبر ، فقال عليّ عليه السلام : نعم . قال : فكيف تشهد ؟
قال : لقول رسول اللَّه : ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء ذا لهجة أصدق من أبي ذرّ .
فلم يقم بالمدينة إلّاأيّاماً حتّى أرسل إليه عثمان : واللَّه لتخرجنّ عنها ، قال : أتخرجني من حرم رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ؟ قال : نعم ، وأنفك راغم ، قال : فإلى مكّة ، قال : لا ، قال : فإلى البصرة ؟ قال : لا ، قال : فإلى الكوفة ؟ قال : لا ، ولكن إلى الرّبذة الّتي خرجت منها حتّى تموت بها ، يا مروان ! أخرجه ولا تدع أحداً يكلّمه حتّى يخرج .
فأخرجه على جمل ومعه امرأته وابنته ، فخرج عليّ والحسن والحسين عليهم السلام وعبداللَّه ابن جعفر رضي الله عنه وعمّار بن ياسر رضي الله عنه ينظرون ، فلمّا رأى أبو ذرّ عليّاً قام إليه فقبّل يده ، ثمّ بكى وقال : إنِّي إذا رأيتك ورأيت ولدك ذكرت قول رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فلم أصبر حتّى أبكي ، فذهب عليّ عليه السلام يكلِّمه ، فقال مروان : إنّ أمير المؤمنين قد نهى أن يكلّمه أحد ، فرفع عليّ السّوط ، فضرب وجه ناقة مروان وقال : تنحّ نحاك اللَّه إلى النّار ، ثمّ شيّعه وكلّمه بكلام يطول شرحه ، وتكلّم كلّ رجل من القوم وانصرفوا وانصرف مروان إلى عثمان ، فجرى بينه وبين عليّ في هذا بعض الوحشة وتلاحيا كلاماً .
اليعقوبي ، التّاريخ ، 2 / 160