« ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هؤُلَاءِ يَنطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَايَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ » « 1 » .
أجل فإنّ وجدان عبّاد الأوثان هؤلاء قد استغرق في النوم مرّة ثانية ولذلك تحركوا في منطقهم وحديثهم من مواقع القوّة وأخذوا يهددون إبراهيم واستخدموا معه آليات بعيدة عن المنطق والعقلانية ، وأخيراً أصدروا أمرهم بإعدام إبراهيم حرقاً .
إنّ الأشخاص الذين يعيشون الاهتزاز في المنطق والقصور في العقلانية يعتمدون على لغة القوّة ، والآن نرى أنّ القوى الاستكبارية التي تبسط هيمنتها على سائر الدول الأخرى وتتعامل معها من موقع التهديد بالحصار الاقتصادي والسياسي وحتّى التهديد بالحرب أيضاً ، يعيشون هذه الحالة ، ولو أنّ وجدانهم استيقظ للحظة واحدة فإنّهم سرعان ما يتغافلون عن توصيات عقولهم ونصائح وجدانهم ولا يجدون في أنفسهم استعداداً لمواجهة الحقيقة من موقع الإذعان والتسليم .
وطبعاً ، فأحياناً تتحول النفس الأمّارة تماماً إلى نفس لوّامة وتقوم بلوم صاحبها على ما ارتكبه من أخطاء وذنوب ، وينقل أنّ الطيّار الذي ألقى بأوّل قنبلة ذرية على مدينة هيروشيما اليابانية وحوّلها إلى رماد وقد استلم جوائز عديدة على هذه الجريمة ، استيقظت نفسه اللوّامة في آخر عمره وأخذت تلومه وتوبخه على هذا العمل الشنيع حتّى ادّى ذلك إلى جنونه ، بحيث يقال إنّه كان يصرخ ويقول : « أنا الذي قتلت بقنبلة واحدة ثلاثمائة ألف إنسان » . ولكن هيهات فقد فات الأوان .
وهنيئاً لمن تستيقظ نفسه اللوّامة في واقعه وتبدأ بلومه وتوبيخه ، لأنّ ذلك من شأنه أن يفتح أبواب النجاة على هذا الإنسان وتقوده هذه النفس اللوّامة في خطّ الصلاح والخير وجبران ما فات .
هامش
( 1 ) . سورة الأنبياء ، الآيات 65 - 68 .