الحالة الثانية : النفس اللوّامة
وأحياناً يتحرّك وجدان الإنسان ويخرج من أجواء الضعف والاهتزاز إلى حيث النشاط والحياة والحركة ولا يستسلم للأهواء والشهوات ولا يسلّمها زمام قيادة الإنسان ، بل يتخّذ في مقابلها موقفاً حاسماً ويعمل على تحويل باطن الإنسان إلى محكمة تحاكمه على ما يصدر منه من مخالفات وأخطاء وتلومه على ما بدر منه من ذنوب وآثام ، وعندما يتحرّك الإنسان في خطّ الخير والصلاح فإنّ هذه القوة الخيّرة ستتحرّك في ترغيبه وتشويقه ، وهذه المرحلة تسمّى بمرحلة النفس اللوّامة ، وما أجمل بالإنسان أن يخرج من ظلمات النفس الأمّارة ويصل إلى موقف النفس اللوّامة .
وأحياناً تتحرّك النفس اللوّامة بشكل مؤقت وعابر وتمثّل حالة طارئة على الإنسان وتكتفي بلومه على تصرفه الخاطئ ، وبعد مدّة قصيرة تنسحب إلى العمق وترقد في سبات عميق ، وبذلك تخلي مكانها للنفس الأمّارة وتفسح لها المجال في العودة إلى أجواء الوعي والفكر والعاطفة في الإنسان ، كما تشير إلى هذه الحقيقة الآيات التي تتحدّث عن قصة إبراهيم وعبادة الأوثان ، بعدما حطّم إبراهيم أصنامهم ، فقالوا له : « قَالُوا ءَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ » « 1 » .
وهكذا نرى هؤلاء القوم لم يتمكّنوا من الإصغاء مدّة طويلة لنصائح النفس اللوّامة ، لأنّهم إذا ساروا في هذا الخطّ واقتنعوا بأنّ هذه الأصنام لا تضرّ ولا تنفع ولا تنطق ، فإنّ أصل وأساس عبادتهم لها ستتعرض للسؤال والاهتزاز ، وإذا ادّعوا أن هذه الأصنام تستطيع الكلام والنطق ، فإنّهم بأنفسهم يعلمون أن هذا الادّعاء كاذب وسيفضحون أنفسهم بسرعة ، ومن هنا فإنّهم تناسوا نصيحة الوجدان وتلك النفس اللوّامة ، وأسدلوا عليها ستار الغفلة واللامبالاة والتمرّد :
هامش
( 1 ) . سورة الأنبياء ، الآيات 62 - 64 .