في الأحياء ، وفي مضمون الآية الثالثة يقسم اللَّه تعالى بمن خلق جنس المذكر والمؤنث ، والملفت للنظر أنّ المذكر والمؤنث وردا بصورة مطلقة ولم يقيد بالإنسان ، وكأنّ الآية ناظرة إلى جميع أشكال الزوجية الموجودة في عالم الخلقة ، كما ورد هذا الموضوع بصراحة في الآية الشريفة 49 من سورة الذاريات :
« وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ » .
ومن هنا فإنّ قانون الزوجيّة حاكم على جميع أرجاء العالم حيث يشمل البشر ، الحيوانات ، النباتات ، وحتى الجمادات أيضاً ، لأنّ الأصل الأولي الذي يتشكل منه جميع الجمادات هو الذرة ، وفي قلب كل ذرة هناك عنصران : الألكترون والبروتون وأحدهما موجب والآخر سالب ، وأحدهما مذكر والآخر مؤنث ، ومهما يكن من أمر فإنّ عالم الزوجية عالم عجيب ، رغم أنّ هذه الحقيقة لكثرة توفرها أصبحت من الأمور العادية التي لا تحضى باهتمام كبير ، وعلى سبيل المثال إذا أخذنا وردة ونظرنا إليها بإمعان لرأينا أن وسطها خيوط دقيقة تحمل في رأسها حبوب اللقاح ، وهذه تمثّل جنس المذكر في هذه الوردة . وحبوب اللقاح هذه تنتقل بواسطة الحشرات أو الرياح وأمثال ذلك لتسقط على الجزء الأسفل منها الذي يكون على شكل طبق أو قدح ، وهكذا تنمو الثمرة من عملية التلقيح هذه ، بعد أن تتكوّن النطفة في هذا الجزء السفلي والذي يسمى « المدقة » .
وما أكثر ما رأينا النحل ينتقل من وردة إلى أخرى ويستقي من رحيقها ، ولكن لم نفكر في هذا الموضوع يوماً ، أي موضوع تلقيح الوردة بواسطة هذه الحشرة عندما نستنشق عطر الورد ونتنفس النسيم الهاب من خلال أوراق الأشجار والأزهار ، ولكننا لا نفكر بما يترتب على ذلك من أسرار ودقائق في عملية النمو وإنتاج الثمار ، هذه كلها آيات تشير إلى عظمة الباري تعالى وقدرته المطلقة .
ولا غرابة أن يقسم اللَّه تعالى بنفسه حيث خلق قانون الزوجية في عالم الخلقة لتستمر حركة الوجود والحياة .
الأقسام القرآنية — صفحة 310
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٣١٠