شرح
كما أنّ المناقشة الأولى أيضاً كذلك ، لما عرفت « 1 » في أوائل مباحث النجاسات من أنّ النجاسة والقذارة لها مصداقان : أحدهما : حقيقيّ ؛ وهو الذي يكون قذراً عند العرف والعقلاء ، وثانيهما : اعتباريّ جعليّ ؛ وهو الذي لا يستقذره الناس لو خلّيت طباعهم وأنفسها ، وقد ألحق هذا المصداق الشارع بالقسم الأوّل موضوعاً ، واعتبر القذارة والنجاسة له كذلك ، ونجاسة المشرك المجعولة في الآية من هذا القبيل ، ولا مجال لدعوى كونها بالمعنى العرفي بعد عدم ثبوت القذارة له عند العرف أصلًا ، والحمل على القذارة المعنويّة يحتاج إلى ارتكاب خلاف الظاهر .
الأمر الثاني : النبويّ المرسل : « جنّبوا مساجدكم النجاسة » « 2 » ؛ فإنّ ظهور الأمر في الوجوب ، وظهور المساجد في الأمكنة المعهودة المعروفة عند المتشرّعة ، المعدّة للعبادة والصلاة ، دون مساجد الجبهة أو المواضع السبعة ، وكذا ظهور النجاسة في النجاسة المصطلح عليها ، ممّا لا تنبغي المناقشة فيه أصلًا ، فمقتضاه حينئذٍ لزوم إيجاد التباعد والتفاصل بين المسجد والنجاسة ، فلا يجوز إدخالها فيه ولو لم تكن متعدّية .
ولكن يرد على الاستدلل به - مضافاً إلى إرسال الرواية بحيث نقلها صاحب الوسائل قدس سره « 3 » عن جماعة من أصحابنا في كتب الاستدلال ، المشتملة على النقل بهذا النحو - : أنّ المتبادر من الأمر بالتجنيب هو : كون المراد حفظ المساجد عن أن تتنجّس ، ومراقبتها من أن تتلوّث بالنجاسة ، فغاية مفاده النهي عن تنجيس المساجد ، ولا دلالة له على حرمة إدخال النجاسة غير المتعدّية التي هي المفروض في المسألة .
هامش
( 1 ) تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة ، كتاب الطهارة 3 : 357 - 359 .
( 2 ) ( و 3 ) تقدّم تخريجهما في ص 19 .
( 3 )