الأمراض القتالة والموحية والمزمنة منها التي قد عرفت وصارت مشهورة لا يفيد فيها الطبيب ولا له فيها حيلة إلّا أن المريض يتعلل ويطمع في السلامة ويظن بالطبيب فيها ظناً يدفع به ألم اليأس ، وباقي الأمراض تحتاج الطبيعة ضرورة إلى مساعد معاون يقرب لها أسباب الإصابة ، وموقع الطبيب الحاذق في هذه المواضع موقع لا يقدر صرف الحاجة إليه والمرض قد يكون واحداً ويقتضي تدبيراً واحداً متشابهاً بحسب ازمانه وقد يقترن به غيره من الاعراض ، وربما كان تدبيره قريباً من تدبير المرض أو مضادا له فينبغي للطبيب أن يبدأ بعلاج الأهم منها والذي هو الأصل والسبب في الآخر اللهم إلّا أن يكون التابع اللاحق قد عظم ضرره فينبغي أن يُقبل عليه بالعلاج وكذلك إن كان هناك حال لا يمكن مداواة المرض إلّا بعد اصلاحها وعلاجها فيبدأ بها .
واعلم أن القوة للعليل تجري مجرى الزاد للمسافر والمرض كالطريق ومنتهى المرض كالموضع المقصود فينبغي للطبيب إذا رأى القوة أقوى من المرض أن يستفرغ مواد المرض ويقلل الغذاء فان القوة مساعدة وإن رأى أن منتهى المرض بعيد بالقياس إلى ثبات القوة لم يقدم الاستفراغات وساعد القوة وحفظها وراعى امرها فهي مع حفظه وتقويته تفي بهذا المرض وإن طال ويعتمد التوسط في الحال حسب توسطها .
واعلم أن ترك استفراغ المريض واتعابه وبذل بعض شهواته وايراد ما يسره على نفسه مما يعين القوة على دفع المرض وضد ذلك على ضده ، وأما إذا اشتبه عليك امر القوة والمرض أيهما أغلب واظهر فينبغي أن تميل إلى حفظ القوة فان كانت الشهوة ضعيفة وهناك تغلب نفس واشتهى المريض شيئاً بعد ما لم يشته وإن كان من طعام غير محمود فيعطى منه المقدار اليسير ولا تفعل ذلك إلّا مع من تثق بعقله وسداده ولا تفعل هذا الفعل مع الصبيان والنساء فيظنوا أن الاستكثار منه أيضاً قد لا يضر فتكون قد عرضتهم للخطر ، بل ولا يفعل ذلك مع الملوك فإنه ينبغي أن يضيق عليهم المجال في الشهوة خاصة عند
كتاب المختارات في الطب — صفحة 323
مساهمون: علي بن أحمد بن علي بن هبل البغدادي ( ابن هبل )
ص٣٢٣