الجرارذ وما شاكل جواهر هذه السموم ، ولا شيء يعادله في نشاط النفس وسرورها وإزالة الفكر الرديء والتوحش عنها ، ولذلك ينتفع به أصحاب الماليخوليا ويجود الهضم ويحسن اللون ويبسط الجلد ويفتح المسام ويدر البول ويحدر المرار ويعدل السوداء ويقطع البلغم وينضجه وينفع أصحاب القحل ( « 1 » ) واليبس ويسهل دفع الاثفال ونفض الاخلاط ويقوي جرم المعدة ويسخنها ويسخن الكبد ويمنع عظم الطحال ويلطفه ؛ لاصلاحه الاخلاط الغليظة وادراره واسهاله ؛ ولكونه من جوهر مسخن مرطب ويجلب النوم الغرق ( « 2 » ) .
والمحتاج إلى شربه ضرورة من لم ينهضم طعامه ويحمض في معدته ويكون قليل الشهوة وإذا اكل الطعام عرض له النفخ والقراقر . وأحوج الناس إلى استعماله بحسب سنه المشائخ ، وذلك لغلبة البرد واليبس على مزاجهم فهو يدفع عنهم الوقوع إلى الهرم سريعاً ويجود هضومهم ويلين جلودهم ويفتح مسامهم ويعينهم على النوم الذي يقل في مزاج أمثالهم ويذهب عنهم الحكة المتولدة في أبدانهم وبطونهم وينعش ويدفع عنهم ضرر النزلة والزكام ( « 3 » ) والبحوحة ( « 4 » ) والسعال ونزفة معدهم عن هضوم الأغذية الغليظة .
وبعد المشايخ في الانتفاع به الكهول وأما الشبان فهم أقل حاجة من هؤلاء إلى الشراب الامن يكون مزاجه مزاجاً شيخوخيا أو يغلب البلغم على مزاجه ، وأما الصبيان فلا يحتاجون إليه لتوفر حرارتهم ورطوبة مزاجهم خاصة من كان منهم حسن النشوء ابيض اللون احمره .
ومن كان مزاجه بالضد من هذا فيحتاج إلى القليل منه وليحذره النحفاء ( « 5 » ) الذين يسرع إليهم الصداع ، ويعرض لهم التلهب والعطش والنشاف ومن يجد الما في جنبه الأيمن ، ومن إذا شربه قلت شهوته وفسد هضمه وحميت بشرته ، ومن تعتريه كثيراً حمى الكبد ويتجشئ عقيب شربه جشاء دخانيا ، ومن يكون به ضعف في العصب أو من يعتريه وجع مفاصل ونقرس أو رعشة أو من به صرع ، ومن يخاف أن يعرض له كثيراً أورام الحلق والخوانيق والشوصة ( « 6 » )
هامش
( 1 ) ( ) قَحِلَ : الشيءُ ، مُحْلًا ، وقَحَلًا : يَبس . . . ويقال : قحِل الشيخ : يبس جلده . ( المعجم الوسيط ) .
( 2 ) ( ) أغْرقَ في الشيء : جاوز الحدَّ وبالغ . ( المعجم الوسيط ) .
( 3 ) ( ) النزلة والزكام : هاتان العلّتان مشتركتان في أن كل واحدة منهما سيلان المادة من الدماغ ، لكن من الناس من يغصّ باسم النزلة ما نزل وحده إلى الحلق وباسم الزكام ما نزل من طريق الأنف . ومن الناس من يسمّي جميع ذلك نزلة ، ويسمي بالزكام ما كان نازلًا من طريق الانف رقيقاً وملحّاً متواتراً مانعاً للشمّ ، منصباً إلى العين وجلدة الوجه . ( القانون ج 2 ، ص 240 ) .
( 4 ) ( ) البُحُوحة : غلظ الصوت وخشونته .
( 5 )
( ) النَّحِيفُ : المهزول .
( 6 ) ( ) الشوصة : تحيز ما فسد من الاخلاط بين الأغشية ، فإن كان أحد الجانبين فذات الجنب . . . وإلّا بأن استبطن الخلط غير ما ذكر فهي الشوصة . ( تذكرة أولي الألباب ج 3 ، ص 237 ) .