الامر بأحدهم انه لا يقدر أن يبقي صاحياً إلّا يعرض له الهم والكآبة ويهرب إلى السكر دائماً ، ويؤول امره إلى أن لا يقدر أن يأخذ شيئاً سوى الشراب .
وقد رأيت جماعة عرض لهم هذا ، ولقد ادخلوني على رجل تركي قد انتهت حاله إلى أن لا يأكل البتة شيئاً ولا يأخذ من الغذاء سوى الشراب فنهرته وأمرت برفع الشراب من قدامه فتماسك قليلًا ثم صاح ، الشراب الشراب ، وتبع الذي اخذ الشراب من بين يديه فهرب إلى سطح فتبعه والقى بنفسه من السطح إلى حامل الشراب وأخذه منه فأمرت أهله أن يقيدوه ويحبسوه ويتركوا عنده شيئاً من الحليب فلم يفعلوا اشفاقاً عليه فبقي اياماً يشرب حتى مات .
ورأيت رجلا من العقلاء الفضلاء الأدباء تم عليه مثل هذا فمن اشتغل بمواترة السكر فينبغي أن يمنع ويشغل بأمور دنياوية فان امتنع وإلا حبس وغذي بالأغذية الصالحة ، وقد يعرض من مواترة السكر أن يختنق الإنسان بامتلاء بطون قلبه من الدم ، وكثيرا ما يعرض ذلك لمن يشرب الاقداح الكبار ، وإذا رأيت السكران قد أربد وجهه ودرت أوداجه واحمرت عيناه وضاق نفسه فاعلم آن الخناق يعرض له فينبغي أن يقطع الشراب ، فان خفت الاعراض كفى قطع الشراب ، وإن اخذت الاعراض تتزايد فينبغي أن يفصد على المكان من اليدين ويستكثر من خروج الدم ويمنع ليلته تلك من النوم .
وبالجملة فاعلم إن اغباب ( « 1 » ) الشرب أوفق لجميع الأبدان خاصة لمن يريد أن يسكر كلما شرب إلّا من لا يستمري طعامه ويحمض في معدته فلا بأس في شربه في كل يوم فإنه لهذا المزاج أوفق من الماء ، ولكن بالمقدار القصد .
واعلم أن الشراب الممزوج يصلح للمحرورين وفي البلاد الحارة والزمان الحار وهو يوافق الأكباد الحارة ويقل معه الخمار والصداع ، لكنه مضر لمن يعتريه سوء هضم ونفخ وقراقر وأصحاب تقطير البول ، والصرف يوافق أصحاب الامزاج ( « 2 » ) الباردة والرطبة وفي الأزمان والبلدان الباردة
هامش
( 1 )
( ) اغباب : تقليل .
( 2 )
( ) الصحيح : أمزِجَة .