. . . . . . . . . .
شرح
( ويدفعها ) : أن لفظ « الفساد » - في نفسه - غير ظاهر في النجاسة لا لان له معنيين أو أكثر ، من دون قرينة معينة على إرادة بعضها دون بعض بل لأن له معنى كليا ، ومفهوما عاما تكون النجاسة أحد مصاديقه في نظر الشرع ، فلا بد من نصب قرينة في الكلام تدل على ارادتها منه ، وليس في الرواية ما يصلح لذلك ، أما أولا : فلأنه لم يفرض في الرواية نجاسة في بدن الجنب كي يكون ذلك قرينة على إرادة النجاسة من لفظ « الفساد » ، ولا غلبة خارجية توجب الحمل عليها ، لأن طهارة بدنه ليس فردا نادرا ينصرف الإطلاق عنه ، بل لا يبعد دعوى العكس ، لقلة المياه في العصور السابقة ، وكان اغتسالهم - غالبا - بالماء القليل حتى في الحمامات ، لأخذه من الحياض الصغار لأنه لم يكن فيها خزانات ماء يدخلها الناس كالمعمولة اليوم ، فلا محالة كانوا يضطرون إلى تطهير البدن قبل الغسل لئلا يفسد الغسل لتنجس الماء بملاقاة البدن ( وبالجملة ) : اغتسال الجنب في البئر مع طهارة بدنه لا يوجب نجاستها الا عند بعض العامة [ 1 ] القائلين بنجاسة الماء المستعمل في رفع الحدث ، وسيأتي في الفصل الآتي فساد هذا القول إن شاء اللّه تعالى . وأما ثانيا : فلانه لو سلم نجاسة بدن الجنب ، وتنجس البئر بدخوله فيها بطل غسله لنجاسة الماء حينئذ بملاقاة بدنه ، فكان التعليل ببطلان الغسل أولى من التعليل بإفساد الماء على القوم ، بل هو المتعين ، وهذا أقوى شاهد على أن علة النهي عن وقوع الجنب في البئر ، واغتساله فيها ليس تنجس الماء بذلك ، بل شيء آخر ، وهو تضرر الغير به ، دون الغاسل ، فكأن قوله عليه السّلام : « ولا تفسد على القوم مائهم » بمنزلة التعليل للنهي عن وقوعه في البئر ، بحيث لو فرض
هامش
[ 1 ] كأبي حنيفة وأصحابه - كما أشرنا إلى ذلك في الجزء الأول .