تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
وقول أبي الطيب المتنبي :
وكان بها مثل الجنون فأصبحت * ومن جثث القتلى عليها تمائم
وأمثال هذا لا تأتي إلا قليلا ؛ وسببه أن المعنى ينحصر في مقصد من المقاصد حتى لا يكاد يأتي إلا قدا ، كهذين البيتين ، ألا ترى أن أبا تمام قصد المؤاخاة في ذكر لوني الثياب من الأحمر والأخضر وجاء ذلك واقعا على المعنى الذي أراده من لون ثياب القتلى وثياب الجنة ، فإذا فك نظم هذا البيت وأريد صوغه بغير لفظه لا يمكن ذلك ، وبيت أبي الطيب جار هذا المجرى ؛ فإنه بناه على واقعة من الوقائع ، وذاك أن حصنا من حصون سيف الدولة قصده الروم وانتزعوه وأخربوه فنهد « 1 » سيف الدولة إليه واسترجعه ، وجدّد بناءه ، وهزم الروم ، ونصب من جثث القتلى على السور ، فنظم المتنبي في هذا قصيدا أوله :
على قدر أهل العزم تأتي العزائم « 2 »
فلما انتهى إلى ذكر الحصن جاء بهذا البيت في جملة أبيات ؛ فشرح صورة الحال في إزعاج الحصن بالقتال ، وتعليق القتلى عليه ، وأبرز ذلك في معنى التمثيل بالجنون والتمائم ، وهذا لا يمكن تبديل لفظه ؛ وهو وأمثاله مما يجب على الناثر أن يحسن الصنعة في فكّ نظامه ؛ لأنه يتصدى لنثره بألفاظه ؛ فإن كان عنده قوّة تصرف وبسطة عبارة فإنه يأتي به حسنا رائقا . وقد نثرت هذين البيتين : أما بيت أبي تمام فإني قلت في نثره : لم تكسه المنايا نسج شفارها ، حتى كسته الجنة نسج شعارها ؛ فبدّل أحمر ثوبه بأخضره ، وكأس حمامه بكأس كوثره ؛ وهذا من الحسن على غاية يكون كمد حسودها ، من جملة شهودها ؛ وأما بيت أبي الطيب المتنبي فإني قلت في نثره : سرى إلى حصن
هامش
( 1 ) تقول : نهد فلان إلى العدو ؛ إذا نهض لقتاله ، وتقول : ناهد فلان عدوه ، إذا ناهضه ، وتقول : تناهدوا في الحرب ، إذا نهض بعضهم إلى بعض للمحاربة . ( 2 ) هذا صدر البيت ، وعجزه قوله :وتأتي على قدر الكرام المكارم
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 97 | محمد محي الدين عبد الحميد / ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي