تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
وأعجب ما في ذلك أن تكون الألفاظ المفردة التي تركبت منها المركبة واضحة كلها ، وإذا نظر إليها مع التركيب احتاجت إلى استنباط وتفسير ، وهذا لا يختص به القرآن وحده ، بل في الأخبار النبوية والأشعار والخطب والمكاتبات كثير من ذلك . وسأورد هاهنا منه شيئا ؛ فأقول : قد ورد عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « صومكم يوم تصومون ، وفطركم يوم تفطرون ، وأضحاكم يوم تضحّون » وهذا الكلام مفهومة مفردات ألفاظه ، لأن الصوم والفطر والأضحى مفهوم كله ، وإذا سمع هذا الخبر من غير فكرة قيل : علمنا أن صومنا يوم نصوم ، وفطرنا يوم نفطر ، وأضحانا يوم نضحّي ، فما الذي أعلمنا به مما لم نعلمه ؟ وإذا أمعن الناظر نظره فيه علم أن معناه يحتاج إلى استنباط ، والمراد به أن إذا اجتمع الناس على أن أول شهر رمضان يوم كذا ، ولم يكن ذلك اليوم أوله ، فإن الصوم صحيح ، وأوله هو ذلك اليوم الذي اجتمع الناس إليه ، وكذا يقال في يوم الفطر ، ويوم الأضحى . ولهذا الخبر المشار إليه أشباه كثيرة تفهم معاني ألفاظها المفردة ، وإذا تركبت تحتاج في فهمها إلى استنباط . وأما ما ورد من ذلك شعرا فكقول أبي تمام :
ولهت فأظلم كلّ شيء دونها * وأضاء منها كلّ شيء مظلم « 1 »
فإن الوله والظلمة والإضاءة كل ذلك مفهوم المعنى ، لكن البيت بجملته يحتاج في فهمه إلى استنباط ، والمراد به أنها ولهت فأظلم ما بيني وبينها ، لما نالني من الجزع لولهها ؛ كما يقول الجازع : أظلمت الأرض علي : أي أني صرت كالأعمى الذي لا يبصر ، وأما قوله : « وأضاء منها كل شيء مظلم » أي وضح لي منها ما كان مستترا عني من حبها إياي .
هامش
( 1 ) هو من قصيدة له يمدح فيها أبا الحسين محمد بن الهيثم بن شبابة ، وأولها :نثرت فريد مدامع لم تنظم * والدّمع يحمل بعض شجو المغرموانظر الديوان ( ص 312 ) .