تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
وكذلك ورد قول أبي عبادة البحتري في منهزم :
إذا سار سهبا عاد ظهرا عدوّه * وكان الصّديق بكرة ذلك السّهب « 1 »
فإن السّير والسّهب والظهر والعدو والصّديق كل ذلك مفهوم المعنى ، لكن البيت بمجموعه يحتاج معناه إلى استنباط ، والمراد أن هذا المنهزم يرى ما بين يديه محبوبا إليه ، وما خلفه مكروها عنده ؛ لأنه يطلب النجاة فيؤثر البعد مما خلفه والقرب مما أمامه ، فإذا قطع سهبا وخلّفه وراءه صار عنده كالعدو ، وقبل أن يقطعه كان له صديقا : أي يطلب لقاءه ويحبّ الدنو منه . فانظر أيها المتأمل إلى ما ذكرته من هذه الأمثلة حتى يثبت عندك ما أردت بيانه . وأما البلاغة فإن أصلها في وضع اللغة من الوصول والانتهاء ، يقال : بلغت المكان ، إذا انتهيت إليه ، ومبلغ الشيء : منتهاه ، وسمي الكلام بليغا من ذلك ؛ أي أنه قد بلغ الأوصاف اللفظية والمعنوية . والبلاغة شاملة للألفاظ والمعاني ، وهي أخص من الفصاحة ، كالإنسان من الحيوان ، فكل إنسان حيوان ، وليس كل حيوان إنسانا ، وكذلك يقال : كل كلام بليغ فصيح ، وليس كل كلام فصيح بليغا . ويفرق بينها وبين الفصاحة من وجه آخر غير الخاص والعام ، وهو أنها لا تكون
هامش
( 1 ) هو من قصيدة له يمدح فيها أحمد بن طولون ، ويذكر هرب لؤلؤ ، ودخوله بغداد ، وأولها :قليل لها أنّي بها مغرم صبّ * وإن لم يقارف غير وجد بها القلبوانظر الديوان ( ص 31 مصر ) . والسهب - بفتح السين - الفلاة ، والسهب - بضم السين - المستوي من الأرض في سهولة ، أو الناحية من الفلاة التي لا مسلك فيها . و « ظهرا » ظرف ، و « عدوه » إما خبر عاد التي معناها صار ، وإما حال من فاعلها الذي هو ضمير مستتر يعود إلى السهب ، و « الصديق » خبر كان مقدم ، و « ذلك السهب » اسم كان ، و « بكرة » ظرف قابل به « ظهرا » ، وفي الديوان « عذرة » وأظنه محرفا عن « غدوة » .