تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
أنه ذم وقدح فيه ، ولم يلتفت إليه ، وإن كان عربيّا محضا من الجاهلية الأقدمين ؛ فإن حقيقة الشيء إذا علمت وجب الوقوف عندها ، ولم يعرّج على ما خرج عنها . وإذن ثبت أن الفصيح من الألفاظ هو الظاهر البين ، وإنما كان ظاهرا بيّنا لأنه مألوف الاستعمال ، وإنما كان مألوف الاستعمال لمكان حسنه ، وحسنه مدرك بالسمع ، والذي يدرك بالسمع إنما هو اللفظ ؛ لأنه صوت يأتلف عن مخارج الحروف ، فما استلذه السمع منه فهو الحسن ، وما كرهه فهو القبيح ، والحسن هو الموصوف بالفصاحة ، والقبيح غير موصوف بفصاحة ؛ لأنه ضدها لمكان قبحه ، وقد مثلت ذلك في المثال المتقدم بلفظة المزنة والدّيمة ولفظة البعاق ، ولو كانت الفصاحة لأمر يرجع إلى المعنى لكانت هذه الألفاظ في الدلالة عليه سواء : ليس منها حسن ومنها قبيح ، ولما لم يكن كذلك علمنا أنها تخص اللفظ دون المعنى . وليس لقائل هاهنا أن يقول : لا لفظ إلا بمعنى ، فكيف فصلت أنت بين اللفظ والمعنى ؟ فإن لم أفصل بينهما ، وإنما خصصت اللفظ بصفة هي له ، والمعنى يجيء فيه ضمنا وتبعا . الوجه الثاني : أن وزن فعيل هو اسم فاعل من فعل - بفتح الفاء وضم العين - نحو كرم فهو كريم ، وشرف فهو شريف ، ولطف فهو لطيف ، وهذا مطّرد في بابه ، وعلى هذا فإن اللفظ الفصيح هو اسم فاعل من فصح فهو فصيح ، واللفظ هو الفاعل للإبانة عن المعنى ، فكانت الفصاحة مختصة به . فإن قيل : إنك قلت : « إن الفصيح من الألفاظ هو الظاهر البيّن ، أي المفهوم » ، ونرى من آيات القرآن ما لا يفهم ما تضمنه من المعنى إلا باستنباط وتفسير ، وتلك الآيات فصيحة لا محالة ، وهذا بخلاف ما ذكرته . قلت : لأن الآيات التي تستنبط وتحتاج إلى تفسير ليس شيء منها إلا ومفردات ألفاظه كلها ظاهرة واضحة ؛ وإنما التفسير يقع في غموض المعنى من جهة التركيب ، لا من جهة ألفاظه المفردة ، لأن معنى المفردة يتداخل بالتركيب ، ويصير له هيئة تخصه ، وهذا ليس قدحا في فصاحة تلك الألفاظ ؛ لأنها إذا اعتبرت لفظة لفظة وجدت كلها فصيحة : أي ظاهرة واضحة .