الفصل الثالث في الحكم على المعاني
وفائدة هذا الفصل الإحاطة بأساليب المعاني على اختلافها وتباينها ، وصاحب هذه الصناعة مفتقر إلى هذا الفصل والذي يليه ، بخلاف غيرهما من هذه الفصول المذكورة ، لا سيما مفسري الأشعار ؛ فإنهم به أعنى .
واعلم أن الأصل في المعنى أن يحمل على ظاهره لفظه ، ومن يذهب إلى التأويل يفتقر إلى دليل ، كقوله تعالى :
« وثيابك فطهر »
فالظاهر من لفظ الثياب هو ما يلبس ، ومن تأول ذهب إلى أن المراد هو القلب ، لا الملبوس ، وهذا لا بد له من دليل ؛ لأنه عدول عن ظاهر اللفظ ، وكذلك ورد عن عيسى بن مريم عليه السلام أنه قال : إذا أردت أن تصلي فادخل بيتك وأغلق بابك ، فالظاهر من هذا هو البيت والباب ، ومن تأول ذهب إلى أنه أراد أنك تجمع عليك همّ قلبك وتمنع أن يخطر به سوى أمر الصلاة ، فعبّر عن القلب بالبيت ، وعن منع الخواطر التي تخطر له بإغلاق الباب ، وهذا يحتاج إلى دليل ؛ لأنه عدول عن ظاهر اللفظ ؛ فالمعنى المحمول على ظاهره لا يقع في تفسيره خلاف ، والمعنى المعدول عن ظاهره إلى التأويل يقع فيه الخلاف ؛ إذ باب التأويل غير محصور ، والعلماء متفاوتون في هذا ، فإنه قد يأخذ بعضهم وجها ضعيفا من التأويل فيكسوه بعبارته قوة تميزه على غيره من الوجود القوية ؛ فإن السيف بضاربه :
إنّ السّيوف مع الّذين قلوبهم * كقلوبهنّ إذا التقى الجمعان
تلقى الحسام على جراءة حدّه * مثل الجبان بكفّ كلّ جبان
وذهب بعضهم في الفرق بين التفسير والتأويل إلى شيء غير مرضيّ ، فقال :
التفسير : بيان وضع اللفظ حقيقة ، كتفسير الصراط بالطريق ، والتأويل : إظهار باطن