تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
وكذلك جاء قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أيضا : « من كلام النّبوّة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت » وهذا يشتمل على معنيين ضدين : أحدهما : أن المراد به إذا لم تفعل فعلا تستحي منه فافعل ما شئت ، والآخر : أن المراد به إذا لم يكن لك حياء يزعك « 1 » عن فعل ما يستحى منه فافعل ما شئت ، وهذان معنيان ضدان أحدهما مدح والآخر ذم . ومثله ورد في الحديث النبوي أيضا ، وذلك أنه ذكر شريح الحضرمي عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « لا يتوسّد القرآن » وهذا يحتمل مدحا وذما ؛ أما المدح فالمراد به أنه لا ينام الليل عن القرآن فيكون القرآن متوسدا معه لم يتهجد به ، وأما الذم فالمراد به أنه لا يحفظ من القرآن شيئا ، فإذا نام لم يتوسد معه القرآن ، وهذان التأويلان من الأضداد . وكثيرا ما يرد أمثال ذلك في الأحاديث النبوية . ويجري على هذا النهج من الشعر قول أبي الطيب في قصيدة يمدح بها كافورا :
وأظلم أهل الظّلم من بات حاسدا * لمن بات في نعمائه يتقلّب
وهذا البيت يستخرج منه معنيان ضدان : أحدهما : أن المنعم عليه يحسد المنعم ، والآخر : أن المنعم يحسد المنعم عليه . وكذلك ورد قوله أيضا من قصيدة يمدحه :
فإن نلت ما أمّلت منك فربّما * شربت بماء يعجز الطّير ورده
فإن هذا البيت يحتمل مدحا وذما ، وإذا أخذ بمفرده من غير نظر إلى ما قبله فإنه يكون بالذم أولى منه بالمدح ؛ لأنه يتضمن وصف نواله بالبعد والشذوذ ، وصدر البيت مفتتح بأن الشرطية ، وقد أجيب بلفظة رب التي معناها التقليل : أي لست من
هامش
( 1 ) يزعك : يكفك ويزجرك وينهاك .