نوالك على يقين ، فإن نلته فربما وصلت إلى مورد لا يصل إليه الطير لبعده ، وإذا نظر إلى ما قبل هذا البيت دلّ على المدح خاصة ؛ لارتباطه بالمعنى الذي قبله .
وكثيرا ما كان يقصد المتنبي هذا القسم في شعره ، كقوله من قصيدة أولها :
عدوّك مذموم بكل لسان * ولو كان من أعدائك القمران
وللّه سرّ في علاك وإنّما * كلام العدا ضرب من الهذيان
ثم قال :
فما لك تعنى بالأسنّة والقنا * وجدّك طعّان بغير سنان ! ؟
فإن هذا بالذم أشبه منه بالمدح ؛ لأنه يقول : لم تبلغ ما بلغته بسعيك واهتمامك ، بل بجد وسعادة ، وهذا لا فضل فيه ؛ لأن السعادة تنال الخامل والجاهد ، ومن لا يستحقها ، وأكثر ما كان المتنبي يستعمل هذا القسم في قصائده الكافوريات .
وحكى أبو الفتح بن جني قال : قرأت على أبي الطيب ديوانه ، إلى أن وصلت إلى قصيدته التي أولها :
أغالب فيك الشّوق والشّوق أغلب
فأتيت منها على هذا البيت ، وهو :
وما طربي لمّا رأيتك بدعة * لقد كنت أرجو أن أراك فأطرب
فقلت له : يا أبا الطيب ، لم تزد على أن جعلته أبا رنة ، فضحك لقولي .
وهذا القسم من الكلام يسمى الموجّه : أي له وجهان ، وهو مما يدل على براعة الشاعر وحسن تأتّيه .
وأما القسم الثالث : فإنه يكون أكثر وقوعا من القسم الثاني ، وهو واسطة بين طرفين ؛ لأن القسم الأول كثير الوقوع ، والقسم الثاني قليل الوقوع ، وهذا القسم الثالث وسط بينهما .