اللفظ ، كقوله تعالى :
« إن ربك لبالمرصاد »
فتفسيره من الرّصد ، يقال : رصدته ؛ إذا رقبته ، وتأويله تحذير العباد من تعدّي حدود اللّه ومخالفة أوامره ، والذي عندي في ذلك أنه أصاب في الآخر ، ولم يصب في الأول ؛ لأن قوله : « التفسير بيان وضع اللفظ حقيقة » لا مستند لجوازه ، بل التفسير يطلق على بيان وضع اللفظ حقيقة ومجازا ؛ لأنه من الفسر ، وهو الكشف ، كتفسير الرصد في الآية المشار إليها بالرّقبة وتفسيره بالتحذير من تعدّي حدود اللّه ومخالفة أوامره . وأما التأويل فإنه أحد قسمي التفسير ، وذاك أنه رجوع عن ظاهر اللفظ ، وهو مشتق من الأوّل ، وهو الرجوع ، يقال : آل يؤل ، إذا رجع ، وعلى هذا فإن التأويل خاص والتفسير عام ؛ فكل تأويل تفسير ، وليس كل تفسير تأويلا ، ولهذا يقال : تفسير القرآن ، ومن تفسيره ظاهر وباطن ، وهذا الفصل الذي نحن بصدد ذكره هاهنا يرجع أكثره إلى التأويل ؛ لأنه أدق .
ولا يخلو تأويل المعنى من ثلاثة أقسام : إما أن يفهم منه شيء واحد لا يحتمل غيره ، وإما أن يفهم منه الشيء وغيره ، وتلك الغيرية : إما أن تكون ضدا ، أو لا تكون ضدا ، وليس لنا قسم رابع .
فالأوّل : يقع عليه أكثر الأشعار ، ولا يجري في الدقة واللطافة مجرى القسمين الآخرين .
وأما القسم الثاني : فإنه قليل الوقوع جدا ، وهو من أظرف التأويلات المعنوية ؛ لأن دلالة اللفظ على المعنى وضده أغرب من دلالته على المعنى وغيره مما ليس بضده ، فمما جاء منه قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في غيره من المساجد إلّا المسجد الحرام » ؛ فهذا الحديث يستخرج منه معنيان ضدان : أحدهما : أن المسجد الحرام أفضل من مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، والآخر : أن مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أفضل من المسجد الحرام : أي أن صلاة واحدة فيه لا تفضل ألف صلاة في المسجد الحرام ، بل تفضل ما دونها ، بخلاف المساجد الباقية فإن ألف صلاة فيها تقصر عن صلاة واحدة فيه .