وأما النوع الرابع :
- وهو الاطلاع على كلام المتقدمين من المنظوم والمنثور - فإن في ذلك فوائد جمة ؛ لأنه يعلم منه أغراض الناس ، ونتائج أفكارهم ، ويعرف به مقاصد كل فريق منهم ، وإلى أين ترامت به صنعته في ذلك ، فإن هذه الأشياء مما تشحذ القريحة ، وتذكي الفطنة ، وإذا كان صاحب هذه الصناعة عارفا بها تصير المعاني التي ذكرت وتعب في استخراجها كالشئ الملقى بين يديه يأخذ منه ما أراد ويترك ما أراد ، وأيضا فإنه إذا كان مطلعا على المعاني المسبوق إليها قد ينقدح له من بينها معنى غريب لم يسبق إليه ، ومن المعلوم أن خواطر الناس وإن كانت متفاوتة في الجودة والرداءة فإن بعضها لا يكون عاليا على بعض أو منحطا عنه إلا بشيء يسير ، وكثيرا ما تتساوى القرائح والأفكار في الإتيان بالمعاني ، حتى إن بعض الناس قد يأتي بمعنى موضوع بلفظ ، ثم يأتي الآخر بعده بذلك المعنى واللفظ بعينهما من غير علم منه بما جاء به الأول ، وهذا الذي يسميه أرباب هذه الصناعة وقوع الحافر على الحافر ، وسيأتي لذلك باب مفرد في آخر كتابنا هذا ؛ إن شاء اللّه تعالى .
وأما النوع الخامس :
- وهو معرفة الأحكام السلطانية من الإمامة والإمارة والقضاء والحسبة وغير ذلك - فإنما أوجبنا معرفتها والإحاطة بها لما يحتاج إليه الكاتب في تقليدات الملوك والأمراء والقضاة والمحتسبين ومن يجري مجراهم ، وأيضا فإنه قد يحدث في الإمامة حادث في بعض الأوقات : بأن يموت الإمام القائم بأمر المسلمين ، ثم يتولى من بعده من لم تكمل فيه شرائط الإمامة ، أو يكون كامل الشرائط غير أن الإمام الذي كان قبله عهد بها إلى آخر غيره وهو ناقص الشرائط ، أو يكون قد تنازع الإمامة اثنان ، أو يكون أرباب الحل والعقد قد اختاروا إماما وهم غير كاملي الشرائط التي تجب أن توجد فيهم ، أو يكون أمر غير ما ذكرناه ، فتختلف الأطراف في ذلك ، وينتصب ملك من الملوك له عناية بالإمام الذي قد قام للمسلمين ، فيأمر كاتبه أن يكتب كتابا في أمره إلى الأطراف المخالفة له ، وإذا لم يكن الكاتب عند ذلك عارفا بالحكم في هذه الحوادث ، واختلاف أقوال العلماء فيها ، وما هو رخصة في ذلك وما ليس برخصة ؛ لا يكتب كتابا ينتفع به ، ولسنا نعني بهذا القول أن يكون الكتاب مقصورا على فقه محض فقط ؛ لأنا لو أردنا ذلك لما