واجز الأمير الّذي نعماه فاجئة * بغير قول ونعمى القوم أقوال
وهذان البيتان من مطلع قصيدة يمدح بها فاتكا الإخشيدي بمصر ، وكان وصله بصلة سنية من نفقة وكسوة قبل أن يمدحه ، ثم مدحه بعد ذلك بهذه القصيدة وهي من غرر شعره ، وقد بنى مطلعها على المعنى المشار إليه من ابتداء فاتك إياه بالصلة قبل المديح ، وليس في التجريد المذكور في هذين البيتين ما يدل على وصف النفس ولا على تزكيتها بالمديح ، كما ورد في الأبيات الرائية المتقدم ذكرها ، وإنما هو توسع لا غير .
وأما القسم الثاني : - وهو غير المحض - فإنه خطاب لنفسك لا لغيرك ، ولئن كان بين النفس والبدن فرق إلا أنهما كأنهما شيء واحد ، لعلاقة أحدهما بالآخر .
وبين هذا القسم والذي قبله فرق ظاهر ، وذاك أولى بأن يسمى تجريدا ؛ لأن التجريد لائق به ، وهذا هو نصف تجريد ؛ لأنك لم تجرّد به عن نفسك شيئا ، وإنما خاطبت نفسك بنفسك ، كأنك فصلتها عنك وهي منك .
فمما جاء منه قول عمرو بن الإطنابة « 1 » :
أقول لها وقد جشأت وجاشت * رويدك تحمدي أو تستريحي
هامش
( 1 ) هذا البيت من كلمة له اختارها البحتري في كتاب الحماسة وافتتح بها هذا الكتاب ، وهاكها بروايته :أبت لي عفّتي وأبى بلائي * وأخذي الحمد بالثّمن الرّبيح
وإعطائي على المعسور مالي * وضربي هامة البطل المشيح
وقولي كلّما جشأت وجاشت * مكانك تحمدي أو تستريحي
لأدفع عن مكارم صالحات * وأحمي بعد عن عرض صحيح