حننت إلى ريّا ونفسك باعدت * مزارك من ريّا وشعباكما معا
فما حسن أن تأتي الأمر طائعا * وتجزع أن داعي الصّبابة أسمعا
وقد ورد بعد هذين البيتين ما يدل على أن المراد بالتجريد فيهما التوسع ، لأنه قال « 1 » :
وأذكر أيّام الحمى ثمّ أنثني * على كبدي من خشية أن تصدّعا
بنفسي تلك الأرض ما أطيب الرّبا * وما أحسن المصطاف والمتربّعا
فانتقل من الخطاب التجريديّ إلى خطاب النفس ، ولو استمر على الحالة الأولى لما قضي عليه بالتوسع ، وإنما كان يقضى عليه بالتجريد البليغ الذي هو الطرف الآخر ، ويتأول له بأن غرضه من خطاب غيره أن ينفي عن نفسه سمعة الهوى ومعرّة العشق ؛ لما في ذلك من الشهرة والغضاضة ، لكن قد زال هذا التأويل بانتقاله عن التجريد أولا إلى خطاب النفس .
وعلى هذا الأسلوب ورد قول أبي الطيب المتنبي :
لا خيل عندك تهديها ولا مال * فليسعد النّطق إن لم تسعد الحال
هامش
( 1 ) هذان البيتان ليسا متصلين في رواية الحماسة ، وهاك القطعة كلها برواية الحماسة :حننت إلى ريّا ونفسك باعدت * مزارك من ريّا وشعبا كما معا
فما حسن أن تأتي الأمر طائعا * وتجزع إن داعي الصّبابة أسمعا
قفا ودّعا نجدا ومن حلّ بالحمى * وقلّ لنجد عندنا أن يودّعا
بنفسي تلك الأرض ما أطيب الرّبا * وما أحسن المصطاف والمتربّعا
وليست عشيّات الحمى برواجع * عليك ولكن خلّ عينيك تدمعا
ولمّا رأيت البشر أعرض دوننا * وحالت بنات الشّوق يحننّ نزّعا
بكت عيني اليسرى فلمّا زجرتها * عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا
تلفّتّ نحو الحيّ حتّى وجدتني * وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا
وأذكر أيّام الحمى ثمّ أنثني * على كبدي من خشية أن تصدّعا