الذي علمته العرب خاصة وانفرد باستخراجه أبو علي رحمه اللّه ، وإن عنى بالمعنى الكامن ما فيه من الأخلاق كالشجاعة والسخاء في المثال الذي ذكره حتى يشبه بالأسد ، تارة وبالبحر أخرى فليس الإنسان مختصّا بهذا المعنى الكامن دون غيره من الحيوانات ، بل الأسد فيه من معنى الشجاعة ما ليس في الإنسان ؛ ولهذا إذا بولغ في وصف الإنسان بالشجاعة شبّه بالأسد ، وكذلك في بعض الحيوانات من السخاء ما ليس في الإنسان ، ومن أمثال : أكرم من ديك ؛ لأنه إذا ظفر بحبة من الحنطة أخذها في منقاره وطاف بها على الدجاج حتى يضعها في منقار واحدة منهن ؛ فالأخلاق إذا مشتركة بين الإنسان وبين غيره من الحيوانات ، غير أن الإنسان يجتمع فيه ما تفرق في كثير منها .
وما أعلم ما أراد أبو علي رحمه اللّه بقوله : « إن في الإنسان معنى كامنا فيه كأنه حقيقته ومحصوله » إلا أن يكون أحد هذين القسمين اللذين أشرت إليهما .
على أن القسم الواحد الذي هو خلق الشجاعة والسخاء وغيره من الأخلاق ليس عبارة عن حقيقة الإنسان ؛ إذ لا يقال في حده : حيوان شجاع ، ولا سخي ، بل يقال : حيوان ناطق ، فالنطق الذي هو الاستعداد للعلوم والصنائع هو حقيقة الإنسان ؛ فبطل إذا قول أبي علي رحمه اللّه في تمثيله حقيقة الإنسان بالشجاعة والسخاء .
فالخطأ توجّه في كلامه من وجهين : أحدهما : أنه جعل حقيقة الإنسان عبارة عن خلقه ، والآخر : أنه أدخل في التجريد ما ليس منه .
وهذا القدر كاف في هذا الموضع ؛ فليتأمل .
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 411
مساهمون: محمد محي الدين عبد الحميد
ص٤١١