تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 405

مساهمون:

ص٤٠٥
ليس بمتعارف ، ألا ترى أن من العادة والعرف أن تشبه الأعجاز بالكثبان ، فلما عكس ذو الرمة هذه القضية في شعره جاء حسنا لائقا ؟ وكذلك فعل البحتري ؛ فإن من العادة والعرف أن يشبه الوجه الحسن بالبدر والقدّ الحسن بالقضيب ، فلما عكس البحتري القضية في ذلك جاء أيضا حسنا لائقا ، ولو شبه ذو الرمة الكثبان بما هو أصغر منها غير الأعجاز لما حسن ذلك ؛ وهكذا لو شبه البحتري طلعة البدر بغير طلعة الحسناء والقضيب بغير قدّها لما حسن ذلك أيضا ، وهكذا القول في تشبيه عبد اللّه بن المعتز صورة الهلال بالقلامة ؛ لأن من العادة أن تشبه القلامة بالهلال ، فلما صار ذلك مشهورا متعارفا حسن عكس القضية فيه .

النوع الثالث في التجريد

وهذا اسم كنت سمعته ؛ فقال القائل : التجريد في الكلام حسن ، ثم سكت ، فسألته عن حقيقته ، فقال : كذا سمعت ، ولم يزد شيئا ؛ فأنعمت حينئذ نظري في هذا النوع من الكلام ، فألقي في روعي أنه ينبغي أن يكون كذا وكذا ، وكان الذي وقع لي صوابا ، ثم مضى على ذلك برهة من الزمان ، ووصل إلى ما ذكره أبو علي الفارسي رحمه اللّه تعالى ، وقد أوردته هاهنا ، وذكرت ما أتيت به من ذات خاطري من زيادة لم يذكرها ، وستقف أيها المتأمل على كلامه وكلامي . فأما حدّ التجريد فإنه إخلاص الخطاب لغيرك ، وأنت تريد به نفسك ، لا المخاطب نفسه ؛ لأن أصله في وضع اللغة من جرّدت السيف ؛ إذا نزعته من غمده ، وجرّدت فلانا ؛ إذا نزعت ثيابه ، ومن هاهنا قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا مدّ ولا تجريد » وذلك في النهي عند إقامة الحد أن يمدّ صاحبه على الأرض وأن تجرّد عنه ثيابه ، وقد نقل هذا المعنى إلى نوع من أنواع علم البيان . وقد تأملته فوجدت له فائدتين : إحداهما أبلغ من الأخرى : فالأولى : طلب التوسع في الكلام ، فإنه إذا كان ظاهره خطابا لغيرك وباطنه