تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 410

مساهمون:

ص٤١٠
والذي عندي فيه أنه أصاب في الثاني ، ولم يصب في الأول ؛ لأن الثاني هو التجريد ، ألا ترى أن الأعشى جرّد الخطاب عن نفسه وهو يريدها ، وأما الأول - وهو قوله : « لئن لقيت فلانا لتلقين به الأسد ، ولئن سألته لتسألن منه البحر » - فإن هذا تشبيه مضمر الأداة ؛ إذ يحسن تقدير أداء التشبيه فيه ؛ وبيان ذلك أنك تقول : لئن لقيت فلانا لتلقينّ منه كالأسد ، ولئن سألته لتسألن منه كالبحر ، وليس هذا بتجريد ؛ لأن حقيقة التجريد غير موجودة فيه ، وإنما هو تشبيه مضمر الأداة ، ألا ترى أن المذكور هو كالأسد ، وهو كالبحر ، وليس ثمّ شيء مجرد عنه ، كما تقدم في الأبيات الشعرية . ويبطل على أبي عليّ قوله أيضا من وجه آخر ، وذاك أنه قال : « إن العرب تعتقد أن في الإنسان معنى كامنا فيه كأنه حقيقته ومحصوله ، فخرج ذلك المعنى إلى ألفاظها مجردا من الإنسان كأنه غيره ، وهو هو » كالمثال الذي مثله في تشبيهه بالأسد وتشبيهه بالبحر ، وهذا ينتقض بقولنا : لئن رأيت الأسد لترينّ منه هضبة ، ولئن لقيته لتلقينّ منه الموت ؛ فإن الصورة التي أوردها في الإنسان وزعم أن العرب تعتقد أن ذلك معنى كامن فيه قد أوردنا مثلها في الأسد ؛ فتخصيصه ذلك بالإنسان باطل ، وكلا الصورتين ليس بتجريد ، وإنما هو تشبيه مضمر الأداة ، وقد سبق القول بأن التجريد هو أن تطلق الخطاب على غيرك ولا يكون هو المراد ، وإنما المراد نفسك ، وهذا لا يوجد في هذا المثال المضمر الأداة ، بل المخاطب هو هو لا غيره ؛ فلا يطلق عليه إذا اسم التجريد ؛ لأنه خارج عن حقيقته ، ومناف لموضوعه ، فإذا قال القائل : لئن لقيته لتلقينّ به كالأسد ، ولئن سألته لتسألن منه كالبحر ؛ لم يجرد عن المقول عنه شيئا ، وإنما شبهه تارة بالأسد في شجاعته وتارة بالبحر في سخائه . وما أعلم كيف ذهب هذا على مثل أبي علي رحمه اللّه حتى خلطه بالتجريد وأجراه مجراه . وأما قوله : « إن العرب تعتقد أن في الإنسان معنى كامنا فيه كأنه حقيقته ومحصوله » فأقول : وغير العرب أيضا تعتقد ذلك : فإن عنى بالمعنى الكامن معنى الإنسانية الذي هو الاستعداد للعلوم والصنائع ، فما هذا من الشيء الغريب الخفي
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 410 | محمد محي الدين عبد الحميد / ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي