وعلى نحو من هذا جاء قول البحتري « 1 » :
في طلعه البدر شيء من محاسنها * وللقضيب نصيب من تثنّيها
وكذلك ورد قول عبد اللّه بن المعتز في قصيدته المشهورة التي أولها :
سقى المطيرة ذات الطّلّ والشّجر « 2 »
فقال في تشبيه الهلال :
ولاح ضوء قمير كاد يفضحنا * مثل القلامة قد قدّت من الظّفر
ولما شاع ذلك في كلام العرب واتسع صار كأنه هو الأصل ، وهو موضع من علم البيان حسن الموقع ، لطيف المأخذ .
وهذا قد ذكره أبو الفتح بن جني في كتاب الخصائص ، وأورده هكذا مهملا .
ولما نظرت أنا في ذلك ، وأنعمت نظري فيه ؛ تبين لي ما أذكره ، وهو : أنه قد تقرر في أصل الفائدة المستنتجة من التشبيه أن يشبه الشيء بما يطلق عليه لفظة أفعل : أي يشبه بما هو أبين وأوضح ، أو بما هو أحسن منه أو أقبح ، وكذلك يشبه الأقل بالأكثر ، والأدنى بالأعلى .
وهذا الموضع لا ينقض هذه القاعدة ؛ لأن الذي قدمناه ذكره مطرد في بابه ، وعليه مدار الاستعمال ، وهذا غير مطرد ، وإنّما يحسن في عكس المعنى المتعارف ، وذاك أن تجعل المشبه به مشبها ، والمشبه مشبها به ، ولا يحسن في غير ذلك مما
هامش
( 1 ) من قصيدة له يمدح فيها أمير المؤمنين المتوكل ، وأولها قوله :أنافعي عند ليلى فرط حبّيها * ولوعة لي أبديها وأخفيها
أم لا تقارب ليلى من يقاربها * ولا تداني بوصل من يدانيها
بيضاء أوقد خدّيها الصّبا وسقى * أجفانها من مدام الرّاح ساقيها( 2 ) هذا صدر المطلع وعجزه قوله :ودير عبدون هطّال من المطر