وقد روي - وهو رواية ضعيفة - أن بعض أهل المجانة أرسل إلى أبي تمام قارورة ، وقال : ابعث في هذه شيئا من ماء الملام ، فأرسل إليه أبو تمام ، وقال : إذا بعثت إليّ ريشة من جناح الذل بعثت إليك شيئا من ماء الملام ، وما كان أبو تمام ليذهب عليه الفرق بين هذين التشبيهين ؛ فإنه ليس جعل الجناح للذل كجعل الماء للملام ، فإن الجناح للذل مناسب ، وذاك أن الطائر إذا وهن أو تعب بسط جناحه وخفضه وألقى نفسه على الأرض ، وللإنسان أيضا جناح ، فإن يديه جناحاه ، وإذا خضع واستكان طأطأ من رأسه ، وخفض من يديه ؛ فحسن عند ذلك جعل الجناح للذل ، وصار تشبيها مناسبا ، وأما الماء للملام فليس كذلك في مناسبة التشبيه .
وأما التشبيه المضمر الأداة من هذا الباب فقد أوردت له أمثلة يستدل بها على أشباهه وأمثاله ؛ فإن لذكر المثال فائدة لا تكون لذكر الحد وحده .
فمن ذلك قول بعضهم :
ملا حاجبيك الشّيب حتّى كأنّه * ظباء جرت منها سنيح وبارح
وكذلك قول الآخر يصف السهام « 1 » :
كساها رطيب الرّيش فاعتدلت له * قداح كأعناق الظّباء الفوارق
فإنه شبه السهام بأعناق الظباء ، وذلك من أبعد التشبيهات .
وعلى نحو منه قول الفرزدق :
يمشون في حلق الحديد كما مشت * جرب الجمال بها الكحيل المشعل
فشبه الرجال في دروع الزرد بالجمال الجرب ، وهذا من التشبيه البعيد ؛ لأنه إن أراد السواد فلا مقاربة بينهما في اللون ؛ لأن لون الحديد أبيض ، ومن أجل ذلك سميت السيوف بالبيض ؛ ومع كون هذا التشبيه بعيدا فإنه تشبيه سخيف .
هامش
( 1 ) البيت لساعدة بن جؤية ، ويروى « قداح كأعناق الظباء رقاق » انظر الصناعتين ( 197 ) .