تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 400

مساهمون:

ص٤٠٠
وتقاسم النّاس السّخاء مجزّأ * وذهبت أنت برأسه وسنامه « 1 » وتركت للنّاس الإهاب وما بقي * من فرثه وعروقه وعظامه « 2 »
والقبح الفاحش في البيت الثاني ، فإن غرضه أن يقول : ذهب بالأعلى وترك للناس الأدنى ، أو ذهبت بالجيد وتركت للناس الرديء . وقد عيب عليه قوله « 3 » :
لا تسقني ماء الملام فإنّني * صبّ قد استعذبت ماء بكائي
وقيل : إنه جعل للملام ماء ، وذلك تشبيه بعيد ، وما بهذا التشبيه عندي من بأس ، بل هو من التشبيهات المتوسطة التي لا تحمد ولا تذم ، وهو قريب من وجه بعيد من وجه : أما مناسب قربه فهو أن الملام هو القول الذي يعنّف به الملوم لأمر جناه ، وذاك مختصّ بالسمع ، فنقله أبو تمام إلى السقيا التي هي مختصة بالحلق ، كأنه قال : لا تذقني الملام ، ولو تهيأ له ذلك مع وزن الشعر لكان تشبيها حسنا ، لكنه جاء بذكر الماء فحط من درجته شيئا ، ولما كان السمع يتجرّع الملام أولا أولا كتجرع الحلق الماء صار كأنه شبيه به ، وهو تشبيه معنى بصورة ؛ وأما سبب بعد هذا التشبيه فهو أن الماء مستلذّ ، والملام مستكره ، فحصل بينهما مخالفة من هذا الوجه ، فهذا التشبيه إن بعد من وجه فقرب من وجه ، فيغفر هذا لهذا ، ولذلك جعلته من التشبيهات المتوسطة التي لا تحمد ولا تذم .
هامش
( 1 ) في الديوان « وتقسم الناس » . ( 2 ) الإهاب - بكسر الهمزة - : الجلد ؛ والفرث : ما في الكرش من السرجين . ( 3 ) هو ثاني بيت من قصيدة له يمدح فيها يحيى بن ثابت ، وقبله ، وهو المطلع :قدك اتئب أربيت في الغلواء * كم تعذلون وأنتم سجرائي