فبقي مظلما خائفا ، وكذلك المنافق إذا أظهر كلمة الإيمان استنار بها واعتزّ بعزها وأمن على نفسه وماله وولده ، فإذا مات عاد إلى الخوف وبقي في العذاب والنقمة .
ومما ورد منه في الأخبار النبوية قول النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « مثل المؤمن الّذي يقرأ القرآن كمثل الأترجّة طعمها طيّب وريحها طيّب ، ومثل المؤمن الّذي لا يقرأ القرآن كمثل الرّيحانة ريحها طيّب ولا طعم لها ، ومثل المنافق الّذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة لا ريح لها وطعمها مرّ » وهذا من باب تشبيه المركب بالمركب ، ألا ترى أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم شبه المؤمن القارئ وهو متّصف بصفتين - هما الإيمان والقراءة - بالأترجّة ، وهي ذات وصفين ، هما الطعم والريح ، وكذلك يجري الحكم في المؤمن غير القارئ ، وفي المنافق القارئ ، والمنافق غير القارئ .
وقد جاءني شيء من ذلك أوردته في فصل من كتاب أصف فيه البر والمسير ، فقلت : لم أزل أصل الذّميل بالذميل ، وألفّ الضّحى بالأصيل ، والأرض كالبحر في سعة صدره ، والمطايا كالجواري راكدة على ظهره ، فمكان الركب منها كمكانهم من الأكوار ، ومسيرهم فيها على كرة لا تستقر بها حركة الأدوار .
وأما ما ورد من ذلك شعرا فكقول البحتري « 1 » :
خلق منهم تردّد فيهم * وليته عصابة عن عصابه « 2 »
هامش
( 1 ) من قصيدة له يمدح فيها ابن ثوابة ، وأولها قوله :أن دعاه داعي الهوى فأجابه * ورمى قلبه الصّبا فأصابه
عبت ما جاءه وربّ جهول * جاء ما لا يعاب يوما فعابه( 2 ) قبل هذين البيتين قوله :همم في السّماء تذهب علوا * ورباع مغشيّة منتابه
ورجال إن ضيّع النّاس أمرا * حفظوا المجد أن يضيعوا طلابه
ما سعوا يخلفون غير أبيهم * كلّ ساع منّا يريد نصابه
جمعتهم أكرومة لم يجوزوا * منتهاها جمع القداح الرّبابه