وقد أبرز هذا المعنى في لباس آخر ؛ فقال « 1 » :
وإذا علاها الماء ألبسها * حببا شبيه جلاجل الحجل
حتّى إذا سكنت جوامحها * كتبت بمثل أكارع النّمل
ومن هذا قول البحتري « 2 » :
تبسّم وقطوب في ندى ووغى * كالرّعد والبرق تحت العارض البرد
وهذا من أحسن التشبيه وأقربه ، إلا أن فيه إخلالا من جهة الصنعة ، وهي ترتيب التفسير ؛ فإن الأولى أن كان قدّم تفسير التبسم على تفسير القطوب : بأن كان قال : كالبرق والرعد ، فانظر أيهما المنتمي إلى الفن كيف ذهب على البحتري مثل هذا الموضوع على قربه ، مع تقدمه في صناعة الشعر ، وليس في ذلك كبير أمر ، سوى أن كان قدم ما أخر لا غير ، وإنما يعذر الشاعر في مثل هذا المقام إذا حكم عليه الوزن والقافية واضطر إلى ترك ما يجب عليه ، وأما إذا كانت الحال كالتي ذكرها البحتري فحينئذ لا عذر له ، وسيأتي لذلك باب مفرد في موضعه من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى ، وهو باب ترتيب التفسير .
وكذلك ورد قول البحتري « 3 » :
هامش
( 1 ) من كلمة له أولها قوله :كان الشّباب مطيّة الجهل * ومحسّن الضّحكات والهزل
كان الجمال إذا ارتديت به * ومشيت أخطر صيّت النّعلانظر الديوان ( ص 311 ) .
( 2 ) من قصيدة له يمدح فيها أبا نهشل بن حميد ، وأولها قوله :إنّي تركت الصّبا عمدا ولم أكد * من غير شيب ولا عذل ولا فندانظر الديوان ( ج 1 ص 151 مصر ) .
( 3 ) من قصيدة له يمدح فيها محمد بن يوسف ، وأولها قوله :فيم ابتداركم الملام ولوعا * أبكيت إلّا دمنة وربوعاانظر الديوان ( ج 2 ص 84 مصر ) .