فمن ذلك قول البحتري « 1 » :
غمام سماح لا يغبّ له حيا * ومسعر حرب لا يضيع له وتر « 2 »
فإذا قدرنا أداة التشبيه هاهنا قلنا : سماح كالغمام : ولا يقدر إلا هكذا ، والمبتدأ في هذا البيت محذوف ، وهو الإشارة إلى الممدوح ، كأنه قال : هو غمام سماح .
ومن هذا النوع ما يشكل تقدير أداة التشبيه فيه على غير العارف بهذا الفن ؛ كقول أبي تمام « 3 » :
أيّ مرعى عين ووادي نسيب * لحبته الأيّام في ملحوب
ومراد أبي تمام أن يصف هذا المكان بأنه كان حسنا ثم زال عنه حسنه ، فقال : إن العين كانت تلتذ بالنظر إليه كالتذاذ السائمة بالمرعى ؛ فإنه كان يشبب به في الأشعار لحسنه وطيبه ، وإذا قدرنا أداة التشبيه هاهنا قلنا : كأنه كان للعين مرعى وللنسيب منزلا ومألفا .
وإذا جاء شيء من الأبيات الشعرية على هذا الأسلوب أو ما يجري مجراه فإنه يحتاج إلى عارف بوضع أداة التشبيه فيه .
هامش
( 1 ) من قصيدة له يمدح فيها أمير المؤمنين المتوكل على اللّه ، وأولها قوله :متى لاح برق أو بدا طلل قفر * جرى مستهلّ لا بكيء ولا نزرانظر الديوان ( 1 - 217 مصر ) .
( 2 ) في أ ، ب ، ج « غمام سحاب لا يحب » وهو تحريف ، وما أثبتناه عن الديوان والمعنى أن جدواه لا تتأخر على العافين ، بل هي دائمة عليهم .
( 3 ) هذا مطلع قصيدة له يمدح فيها سليمان بن وهب ، وبعده قوله :ملكته الصّبا الولوع فألقت - * - ه قعود البلى وسؤر الخطوب
ندّ عنك العزاء فيه فقاد الدّ * مع من مقلتيك قود الجنيبانظر الديوان ( ص 36 بيروت ) .