وهذا الموضع فيه دقة غموض ، وحرف التشبيه يحسن في الأول دون الثاني .
وأما القسم الذي يكون العدول فيه عن الحقيقة إلى المجاز لغير مشاركة بين المنقول والمنقول إليه فذلك لا يكون إلا لطلب التوسع في الكلام ، وهو سبب صالح ؛ إذ التوسع في الكلام مطلوب .
وهو ضربان : أحدهما : يرد على وجه الإضافة ، واستعماله قبيح ؛ لبعد ما بين المضاف والمضاف إليه ، وذاك لأنه يلتحق بالتشبيه المضمر الأداة ، وإذا ورد التشبيه ولا مناسبة بين المشبه والمشبه به كان ذلك قبيحا ، ولا يستعمل هذا الضرب من التوسع إلا جاهل بأسرار الفصاحة والبلاغة ، أو ساه غافل يذهب به خاطره إلى استعمال ما لا يجوز ولا يحسن ، كقول أبي نواس « 1 » :
بحّ صوت المال ممّا * منك يشكو ويصيح
فقوله : « بح صوت المال » من الكلام النازل بالمرة ، ومراده من ذلك أن المال يتظلم من إهانتك إياه بالتمزيق ، فالمعنى حسن ، والتعبير عنه قبيح ، وما أحسن ما قال مسلم بن الوليد في هذا المعنى « 2 » :
تظلّم المال والأعداء من يده * لا زال للمال والأعداء ظلاما
وكذلك ورد قول أبي نواس أيضا « 3 » :
هامش
( 1 ) من قصيدة له يمدح فيها العباس بن عبيد اللّه بن أبي جعفر المنصور ، وأولها قوله :غرّد الدّيك الصّدوح * فاسقني طاب الصّبوحانظر الديوان ( ص 68 ) .
( 2 ) من قصيدة له يمدح فيها يزيد بن مزيد الشيباني ، وأولها قوله :طيف الخيال حمدنا منك إلماما * داويت سقما وقد هيّجت أسقاما( 3 ) من قصيدة له يمدح فيها إبراهيم بن عبيد اللّه الحجبي ، وأولها قوله :هل عرفت الرّبع أجلى * أهله عنه فزالاانظر الديوان ( ص 118 ) .