فتأمل ما أشرت إليه وتدبره حتى تعلم أني ذكرت ما لم يذكره أحد غيري على هذا الوجه .
وإنما سمي هذا القسم من الكلام استعارة لأن الأصل في الاستعارة المجازية مأخوذ من العارية الحقيقية التي هي ضرب من المعاملة ، وهي أن يستعير بعض الناس من بعض شيئا من الأشياء ، ولا يقع ذلك إلا من شخصين بينهما سبب معرفة ما يقتضي استعارة أحدهما من الآخر شيئا ، وإذا لم يكن بينهما سبب معرفة بوجه من الوجوه فلا يستعير أحدهما من الآخر شيئا ؛ إذ لا يعرفه حتى يستعير منه ، وهذا الحكم جار في استعارة الألفاظ بعضها من بعض ، فالمشاركة بين اللفظين في نقل المعنى من أحدهما إلى الآخر كالمعرفة بين الشخصين في نقل الشيء المستعار من أحدهما إلى الآخر .
واعلم أنه قد ورد من الكلام ما يجوز حمله على الاستعارة وعلى التشبيه المضمر الأداة معا ، باختلاف القرينة ، وذاك أن يرد الكلام محمولا على ضمير من تقدم ذكره فينتقل عن ذلك إلى غيره ويرتجل ارتجالا .
فمما جاء منه قول البحتري « 1 » :
إذا سفرت أضاءت شمس دجن * ومالت في التّعطّف غصن بان
فلما قال : « أضاءت شمس دجن » بنصب الشمس كان ذلك محمولا على الضمير في قوله : « أضاءت » كأنه قال أضاءت هي ، وهذا تشبيه ؛ لأن المشبه مذكور ، وهو الضمير في « أضاءت » الذي نابت عنه التاء ، ويجوز حمله على الاستعارة بأن يقال : « أضاءت شمس دجن » برفع الشمس ، ولا يعود الضمير حينئذ إلى من تقدم ذكره ، وإنما يكون الكلام مرتجلا ، ويكون البيت :
إذا سفرت أضاءت شمس دجن * ومال من التّعطّف غصن بان
هامش
( 1 ) من قصيدة له يمدح فيها أحمد بن المدبر ، وأخاه إبراهيم ، وأولها قوله :عناني من صدودك ما عناني * وعاودني هواك كما بداني