تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 345

مساهمون:

ص٣٤٥
فإن قيل : وكذلك أيضا إذا لم تقدّر أداة التشبيه في الاستعارة استحال المعنى ؛ لأنا إذا قلنا : « عجل القضيب وأبطأ الدّعص » فما لم نقدّر فيه أداة التشبيه وإلا استحال المعنى . قلت في الجواب عن ذلك : تقدير أداة التشبيه لا بد منه في الموضعين ؛ لكن يحسن إظهارها في التشبيه ، دون الاستعارة ، وجملة الأمر أنا نرى أداة التشبيه بحسن إظهارها في موضع دون موضع ؛ فعلمنا أن الموضع الذي يحسن إظهارها فيه غير الموضع الذي لا يحسن إظهارها فيه ، فسمينا المواضع الذي يحسن إظهارها فيه تشبيها مضمر الأداء ، والذي لا يحسن إظهارها فيه استعارة ، وإنما فعلنا ذلك لأن تسمية ما يحسن إظهار أداة التشبيه فيه بالتشبيه أليق ، وتسمية ما لا يحسن إظهار أداة التشبيه فيه بالاستعارة أليق ، فإذا قلنا : « زيد أسد » حسن إظهار أداة التشبيه فيه ، بأن نقول : زيد كالأسد ، وإذا قلنا كما قال الشاعر :
فرعاء إن نهضت لحاجتها * عجل القضيب وأبطأ الدّعص
لا يحسن إظهار أداة التشبيه فيه ، على ما تقدم من ذكر ذلك أولا . فإن قيل : إذا أجزت إضمار أداة التشبيه وقدّرت إظهارها في قولك : « زيد أسد » أي : كالأسد ، فنحن نضمر أيضا المستعار له ونقدر إظهاره ؛ فإنه لما قال الشاعر : « عجل القضيب وأبطأ الدعص » أضمر المستعار له ، وهو القدّ والرّدف ، وإذا أظهر قيل : عجل قد كالقضيب ، وأبطأ ردف كالدّعص ؛ ولا فرق بين الإضمارين ، فكما يسعك إضمار أداة التشبيه في قولك « زيد أسد » فكذلك يسعنا نحن إضمار المستعار له في قول الشاعر . فالجواب عن ذلك أني أقول : نحن في هذا المقام واقفون مع الاستحسان لامع الجواز ، ولو تأملت ما أوردته في أول كلامي بالعين الصحيحة لما أوردت عليّ هذا الاعتراض هاهنا ؛ فإني قلت : التشبيه المضمر الأداة يحسن إظهار أداء التشبيه فيه ، والاستعارة لا يحسن إظهار أداة التشبيه فيها ، ولو قلت : يجوز أو لا يجوز لورد عليّ هذا الاعتراض الذي ذكرته ، وقد علم وتحقق أن من الواجب في حكم
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 345 | محمد محي الدين عبد الحميد / ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي