تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 351

مساهمون:

ص٣٥١
فأبو تمام سائل ربوعا عافية وأحجارا دارسة ، ولا وجه لها هاهنا إلا مساءلة الأهل ؛ كالذي في قوله تعالى :
« وسئل القرية »
أي : أهل القرية ، وكل هذا توسع في العبارة ؛ إذ لا مشاركة بين رسوم الديار وبين فهم السؤال والجواب ، وكذلك قال أبو الطيب المتنبي في أمره الطلل بأن يكون ثالثا لهما : أي الركب والإبل ، وهذا واضح لا نزاع فيه . فإذا قد تبين وتحقق ما أشرت إليه من هذا الموضع فالمجاز لا يخرج عن هذه الأقسام الثلاثة : إما توسع ، أو تشبيه ، أو استعارة ، وإذا حققنا النظر في الاستعارة والتشبيه وجدناهما أمرا قياسيا في حمل فرع على أصل لمناسبة بينهما ، وإن كانا يفترقان بحدهما وحقيقتهما . فأما حدّ الاستعارة فقيل : إنه نقل المعنى من لفظ إلى لفظ بسبب مشاركة بينهما ، وهذا الحد فاسد ؛ لأن التشبيه يشارك الاستعارة فيه ، ألا ترى أنا إذا قلنا : « زيد أسد » أي كأنه أسد ، وهذا نقل المعنى من لفظ إلى لفظ بسبب مشاركة بينهما ؛ لأنا نقلنا حقيقة الأسد إلى زيد فصار مجازا ، وإنما نقلناه لمشاركة بين زيد وبين الأسد في وصف الشجاعة . والذي عندي من ذلك أن يقال : حدّ الاستعارة نقل المعنى من لفظ إلى لفظ المشاركة بينهما مع طيّ ذكر المنقول إليه ؛ لأنه إذا احترز فيه هذا الاحتراز اختصّ الاستعارة ، وكان حدّا لها دون التشبيه ، وطريقه أنك تريد تشبيه الشيء بالشيء مظهرا ومضمرا ، وتجيء إلى المشبه فتعيره اسم المشبه به ، وتجريه عليه ، مثال ذلك أن تقول : رأيت أسدا ، وهذا كالبيت الشعر المقدم ذكره ، وهو :
فرعاء إن نهضت لحاجتها * عجل القضيب وأبطأ الدّعص
فإن هذا الشاعر أراد تشبيه القدّ بالقضيب ، والرّدف بالدّعص الذي هو كثيب الرمل ؛ فترك ذكر التشبيه مظهرا ومضمرا ، وجاء إلى المشبه - وهو القدّ [ والرّدف ] - فأعاره المشبه به - وهو القضيب والدعص - وأجراه عليه . إلا أن هذا الموضع لا بدّ له من قرينة تفهم من فحوى اللفظ ؛ لأنه إذا قال