تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 344

مساهمون:

ص٣٤٤
كقولنا : زيد أسد ، وهذا التشبيه المضمر الأداة قد خلطه قوم بالاستعارة ، ولم يفرقوا بينهما ، وذلك خطأ محض . وسأوضح وجه الخطأ فيه ، وأحقق القول في الفرق بينهما تحقيقا جليا ، فأقول : أما التشبيه المظهر الأداة فلا حاجة بنا إلى ذكره هاهنا ؛ لأنه معلوم لا خلاف فيه ، لكن نذكر التشبيه المضمر الأداة الذي وقع فيه الخلاف ، فنقول : إذا ذكر المنقول والمنقول إليه على أنه تشبيه مضمر الأداة قيل فيه : زيد أسد ، أي كالأسد ، فأداة التشبيه فيه مضمرة ، وإذا أظهرت حسن ظهورها ، ولم تقدح في الكلام الذي أظهرت فيه ، ولا تزيل عنه فصاحة ولا بلاغة ، وهذا بخلاف ما إذا ذكر المنقول إليه دون المنقول ، فإنه لا يحسن فيه ظهور أداة التشبيه ، ومتى أظهرت أزالت عن ذلك الكلام ما كان متصفا به من جنس فصاحة وبلاغة ، وهذا هو الاستعارة ، ولنضرب لك مثالا نوضحه ، فنقول : قد ورد هذا البيت لبعض الشعراء ، وهو :
فرعاء إن نهضت لحاجتها * عجل القضيب وأبطأ الدّعص
وهذا قد ذكر فيه المنقول إليه دون المنقول ؛ لأن تقديره عجل قد كالقضيب وأبطأ ردف كالدّعص ، وبين إيراده على هذا التقدير وبين إيراده على هيئته في البيت بون بعيد في الحسن والملاحة ، والفرق إذا أنّ التشبيه المضمر الأداة بحسن إظهار أداة التشبيه فيه ، والاستعارة لا يحسن ذلك فيها ، وعلى هذا فإن الاستعارة لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المستعار له الذي هو المنقول إليه ويكتفي بذكر المستعار الذي هو المنقول . فإن قيل : لا نسلم أن الفرق بين التشبيه وبين الاستعارة ما ذهبت إليه ، بل الفرق بينهما أن التشبيه إنما يكون بأداته كالكاف وكأنّ وما جرى مجراها ؛ فما لم يظهر فيه أداة التشبيه لا يكون تشبيها ، وإنما يكون استعارة ، فإذا قلنا : زيد أسد ، كان ذلك استعارة ، وإذا قلنا : زيد كالأسد ، كان ذلك تشبيها . قلت في الجواب عن ذلك : إذا لم نجعل قولنا : « يد أسد » تشبيها مضمر الأداء استحال المعنى ؛ لأن زيدا ليس أسدا ، وإنما هو كالأسد في شجاعته ؛ فأداة التشبيه لقدر هاهنا ضرورة كي لا يستحيل المعنى .