وكذلك ورد لبعضهم في شعر الحماسة « 1 » :
تركت ضأني تودّ الذّئب راعيها * وأنّها لا تراني آخر الأبد
الذّئب يطرقها في الدّهر واحدة * وكلّ يوم تراني مدية بيدي
وكذلك ورد قول الآخر :
قوم إذا ما جنى جانيهم أمنوا * للؤم أحسابهم أن يقتلوا قودا
وكم للعرب من هذه المعاني التي سبقوا إليها .
ومن أدلّ الدليل على فساد ما ذهب إليه من أن المحدثين هم المختصمون بابتداع المعاني أو أول من بكى على الديار في شعره رجل يقال له ابن حزام ، وكان هو المبتدي لهذا المعنى أولا ، وقد ذكره امرؤ القيس في شعره فقال :
عوجا على الطّلل المحيل لعلّنا * نبكي الدّيار كما بكى ابن حزام « 2 »
وقد أجمع نقلة الأشعار أن لامرئ القيس في صفات الفرس أشياء كثيرة لم يسبق إليها ولا قيلت من قبله .
ويكفي من هذا كله ما قدمت القول فيه ، وهو أن العرب السابقون بالشعر ، وزمانهم هو الأول ، فكيف يقال : إن المتأخرين هم السابقون إلى المعاني ؟ وفي هذه الأمثلة التي أوردتها كفاية في نقض ما ذكره ، ولو قال : إن المحدثين أكثر ابتداعا للمعاني ، وألطف مأخذا ، وأدق نظرا ؛ لكان قوله صوابا ؛ لأن المحدثين عظم الملك الإسلامي في زمانهم ، ورأوا ما لم يره المتقدمون ، وقد قيل : إن اللّها تفتح اللّها ؛ وهو كذلك فإن نفاق السوق جلّاب .
هامش
( 1 ) هما بيتان مفردان اختارهما أبو تمام ولم ينسبهما ولا نسبهما شراحه ( انظر شرح التبريزي :
4 - 130 ) .
( 2 ) الطلل المحيل : المتغير ، وهو بالحاء المهملة ، ووقع في أ ، ب ، ج « المخيل » بالخاء المعجمة - وهي غير المعروف في رواية البيت ، ولكن لها وجها . وابن حذام قد اختلف في ضبط اسمه على وجوه كثيرة .