تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 341

مساهمون:

ص٣٤١
ولمّا قضينا من منى كلّ حاجة * ومسّح بالأركان من هو ماسح أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا * وسالت بأعناق المطيّ الأباطح
ألا ترى إلى حسن هذا اللفظ وصقالته ، وتدبيج أجزائه ، ومعناه مع ذلك ليس مدانيا له ولا مقاربا ، فإنه إنما هو لما فرغنا من الحج ركبنا الطريق راجعين وتحدثنا على ظهور الإبل ، ولهذا نظائر شريفة الألفاظ خسيسة المعاني . فالجواب عن ذلك أنا نقول : هذا الموضع قد سبق إلى التشبث به من لم ينعم النظر فيه ، ولا رأى ما رآه القوم ، وإنما ذلك لجفاء طبع الناظر ، وعدم معرفته ، وهو أن في قول هذا الشاعر « كل حاجة » مما يستفيد منه أهل النسيب والرقة والأهواء والمقة ما لا يستفيد غيرهم ، ولا يشاركهم فيه من ليس منهم ، ألا ترى أن حوائج منى أشياء كثيرة : فمنها التلاقي ، ومنها التشاكي ، ومنها التخلي للاجتماع ، إلى غير ذلك مما هو تال له ومعقود الكون به ، فكأنّ الشاعر صانع عن هذا الموضع الذي أومأ له وعقد غرضه عليه بقوله في آخر البيت « ومسّح بالأركان من هو ماسح » أي : إنما كانت حوائجنا التي قضيناها وآرابنا التي بلغناها من هذا النحو الذي هو مسح الأركان وما هو لاحق به وجار في القرية من اللّه مجراه : أي لم نتعدّ هذا القدر المذكور إلى ما يحتمله أول البيت من التعريض الجاري مجرى التصريح ، وأما البيت الثاني فإن فيه : « أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا » وفي هذا ما نذكره لتعجب به وبمن عجب منه ووضع من معناه ، وذلك أنه لو قال أخذنا في أحاديثنا أو نحو ذلك لكان فيه ما يكبره أهل النسيب ؛ فإنه قد شاع عنهم واتّسع في محاوراتهم علو قدر الحديث بين الإلفين والجذل بجمع شمل المتواصلين ، ألا ترى إلى قول بعضهم :
وحديثها يا سعد عنها فزدتني * جنونا فزدني من حديثك يا سعد
وقول الآخر :
وحديثها السّحر الحلال لو انّه * لم يجن قتل المسلم المتحرّز
فإذا كان قدر الحديث عندهم على ما ترى فكيف به إذا قيّده بقوله : « أخذنا