كلام عرفنا أنه فصيح بما عرفنا من حقيقتها الموجودة فيه ، وكذلك يقول في غير الفصاحة .
ومن أعجب ما وجدته في كتاب أنه قال : أما المعاني المبتدعة فليس للعرب منها شيء ، وإنما اختصّ بها المحدثون ، ثم ذكر للمحدثين معاني ، وقال : هذا المعنى لفلان ، وهو غريب ، وهذا القول لفلان ، وهو غريب ، وتلك الأقوال التي خصّ قائليها بأنهم ابتدعوها قد سبقوا إليها ؛ فإما أن يكون غير عارف بالمعنى الغريب ، وإما أنه لم يقف على أقوال الناظمين والناثرين ولا تبحّر فيها حتى عرف ما قاله المتقدم ، مما قاله المتأخر ، وأما قوله : « إنه ليس للعرب معنى مبتدع وإنما هو للمحدثين » فيا ليت شعري من السابق إلى المعاني ؟ من تقدّم زمانه أم من تأخر زمانه ؟ ! .
وأنا أورد هاهنا ما يستدل به على بطلان ما ذكره ، وذاك أنه قد ورد من المعاني أن صور المنازل تمثّلت في القلوب فإذا عفت آثارها لم تعف صورها من القلوب ، وأول من أتى بذلك العرب ، فقال الحرث بن خالد من أبيات الحماسة « 1 » :
إنّي وما نحروا غداة منى * عند الجمار يؤدها العقل « 2 »
لو بدّلت أعلى مساكنها * سفلا وأصبح سفلها يعلو
لعرفت مغناها بما ضمنت * منّي الضّلوع لأهلها قبل « 3 »
ثم جاء المحدثون من بعده فانسحبوا على ذيله وحذوا حذوه ؛ فقال أبو تمام « 4 » :
هامش
( 1 ) انظر شرح التبريزي على الحماسة ( 3 - 245 ) .
( 2 ) في أ ، ب ، ج « إني وإن نحروا » والتصويب عن الحماسة .
( 3 ) في ج « معناها » بعين مهملة ، وهو تحريف ، وصوابه عن أ ، ب ، والحماسة . وفي الحماسة « لما ضمنت » ومعناهما واحد .
( 4 ) هو ثاني بيت من قصيدة له يمدح فيها المعتصم ، وقبله وهو المطلع قوله :أجل أيّها الرّبع الّذي خفّ آهله * لقد أدركت فيك النّوى ما تحاوله