تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 340

مساهمون:

ص٣٤٠
لخلوهم عن معرفته ، ثم لو عرفوه وأتوا به على الوجه الحسن من اختيار الألفاظ المسجوعة لاحتاجوا إلى شرط آخر قد نبهت عليه في باب السجع ؛ وإذا أنكر عليهم الاقتصار على الألفاظ المسجوعة ، وهدوا إلى طريق المعاني ؛ يقولون : لنا أسوة بالعرب الذين هم أرباب الفصاحة ، فإنهم إنما اعتنوا بالألفاظ ولم يعتنوا بالمعاني اعتناءكم بها ، فلم يكفهم جهلهم فيما ارتكبوه حتى ادّعوا الأسوة بالعرب فيه ، فصارت جهالتهم جهالتين . ولنذكر هاهنا في الرد عليهم ما إذا تأمله الناظر في كتابنا عرف منه ما يؤنقه ، ويذهب به الاستحسان كل مذهب ؛ فنقول : اعلم أن العرب كما كانت تعتني بالألفاظ فتصلحها وتهذبها فإن المعاني أقوى عندها ، وأكرم عليها ، وأشرف قدرا في نفوسها ؛ فأول ذلك عنايتها بألفاظها ، لأنها لما كانت عنوان معانيها وطريقها إلى اظهار أغراضها أصلحوها وزينوها ، وبالغوا في تحسينها ؛ ليكون ذلك أوقع لها في النفس ، وأذهب بها في الدلالة على القصد ، ألا ترى أن الكلام إذا كان مسجوعا لذّ لسامعه فحفظه ، وإذا لم يكن مسجوعا لم يأنس به أنسه في حالة السجع ، فإذا رأيت العرب قد أصلحوا ألفاظهم وحسّنوها ، ورقّقوا حواشيها ، وصقلوا أطرافها ، فلا تظن أن العناية إذا ذاك إنما هي بألفاظ فقط ، بل هي خدمة منهم للمعاني ، ونظير ذلك إبراز صورة الحسناء في الحلل الموشيّة والأثواب المحبّرة ؛ فإنا قد نجد من المعاني الفاخرة ما يشوه من حسنه بذاذة لفظه وسوء العبارة عنه . فإن قيل : إنا نرى من ألفاظ العرب ما قد حسنوه وزخرفوه ، ولسنا نرى تحته مع ذلك معنى شريفا ، فمما جاء منه قول بعضهم « 1 » :
هامش
( 1 ) بين البيتين بيت آخر ، وهو :وشدّت على دهم المهارى رحالنا * ولم ينظر الغادي الّذي هو رائحوللإمام عبد القاهر الجرجاني بحث في هذه الأبيات وهو خليق بأن تعود إليه وتقرأه وتقارن بينه وبين ما ذكره المؤلف هاهنا ( انظر أسرار البلاغة ص 15 ) والأبيات تنسب لكثير عزة ، وتنسب ليزيد بن الطثرية ، وتنسب لعقبة بن كعب بن زهير .
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 340 | محمد محي الدين عبد الحميد / ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي